في واحدة من أشد الرسائل الأممية لهجة خلال السنوات الأخيرة، وجّه أربعة مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة انتقادًا مباشرًا للسلطات السعودية بسبب ما وصفوه بالاستخدام التعسفي لتشريعات مكافحة الإرهاب لقمع المدافعين عن حقوق الإنسان. القضية هذه المرة ليست جديدة في مضمونها، لكنها لافتة في رمزيتها: إعادة محاكمة الناشط الحقوقي محمد البجادي والحكم عليه بالسجن 25 عامًا، بعد سنوات من الملاحقات والاحتجاز.
الرسالة، الموقّعة من أربعة خبراء أمميين معنيين بحرية التعبير، واستقلال القضاء، وحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، لا تقتصر على انتقاد حكم بعينه، بل تُحمّل الإطار القانوني ذاته مسؤولية تحويل “الأمن القومي” إلى مظلة واسعة تُجرَّم تحتها أنشطة سلمية بحتة.
إعادة المحاكمة أم إعادة العقاب؟
قضية محمد البجادي تكشف نمطًا متكررًا في التعامل مع النشطاء الحقوقيين. الرجل، أحد مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية (حسم)، تعرّض منذ 2012 لسلسلة من الاعتقالات والأحكام. وفي 2015، خلصت مجموعة العمل الأممية المعنية بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازه يقع ضمن حالات الاعتقال التعسفي المرتبطة بممارسة حرية التعبير والتجمع.
ورغم الإفراج عنه لاحقًا، أعيد اعتقاله عام 2018، في مسار يعكس – بحسب الخبراء – إصرارًا على إبقائه تحت طائلة العقاب. إعادة محاكمته والحكم عليه بعقوبة جديدة مدتها 25 عامًا تثير سؤالًا قانونيًا جوهريًا: هل نحن أمام مسار قضائي طبيعي، أم أمام إعادة إنتاج للعقوبة بصيغة مختلفة؟
المقررون الأمميون اعتبروا أن إعادة النظر في وقائع سبق الفصل فيها تمثل خرقًا واضحًا لمبدأ “عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته”، وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الجنائي الحديث.
المحكمة الجزائية المتخصصة أمن أم استثناء دائم؟
المحكمة الجزائية المتخصصة، التي أُنشئت للنظر في قضايا الإرهاب، أصبحت في تقارير أممية سابقة محورًا للانتقادات بسبب دورها في محاكمة نشطاء سلميين. الرسالة الأخيرة أعادت تسليط الضوء على هذه المحكمة بوصفها جهة تُثار حول استقلالها عن السلطة التنفيذية تساؤلات متكررة.
من بين المخالفات التي أشار إليها الخبراء: جلسات سرية، حرمان من الاستعانة بمحامٍ، استخدام أدلة غير معلنة، وعدم الإفصاح الواضح عن التهم. هذه الممارسات، إن ثبتت، تقوّض جوهر ضمانات المحاكمة العادلة، وتحوّل المحكمة إلى أداة ضبط سياسي بدل أن تكون ساحة عدالة مستقلة.
في السياق ذاته، انتقد المقررون الصياغات الواسعة والغامضة لقانون مكافحة الإرهاب السعودي، والتي تسمح – بحسب وصفهم – بتوسيع مفهوم “الإرهاب” ليشمل أنشطة لا تتعدى التعبير السلمي أو العمل الحقوقي.
توسيع مفهوم الإرهاب وتضييق مساحة الرأي
أحد أخطر ما في القضية ليس الحكم بحد ذاته، بل الإطار التشريعي الذي يتيح إصدار مثل هذه الأحكام. حين يصبح التعبير السلمي أو توثيق الانتهاكات أو الدعوة إلى إصلاحات قانونية ضمن دائرة الاشتباه الأمني، فإن الفاصل بين “الإرهاب” و”الرأي” يتلاشى.
الخبراء ذكّروا بأن أي تدابير لمكافحة الإرهاب يجب أن تلتزم بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز. هذه المعايير ليست رفاهية قانونية، بل ضمانات أساسية تمنع تحوّل مكافحة الإرهاب إلى أداة سياسية.
وفي حالة البجادي، يرى المقررون أن العقوبة الجديدة – 25 عامًا – شديدة القسوة وغير متناسبة، وتشير إلى تصعيد واضح في التعامل مع المدافعين عن حقوق الإنسان.
الرسالة الأممية لم تقتصر على الحكم القضائي، بل تطرقت أيضًا إلى استخدام مراكز “المناصحة” والقيود الإدارية كأدوات احتجاز خارج رقابة قضائية فعالة. هذا النمط، بحسب الخبراء، يكرّس واقعًا من الإفلات من المساءلة، ويخلق مساحة رمادية بين العقوبة الرسمية والاحتجاز الإداري.
فحتى في حال انتهاء مدة العقوبة، قد يبقى الفرد تحت قيود مشددة، ما يجعل الحرية الشكلية غير مكتملة. هذه الممارسات تطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ سيادة القانون، وحول الحدود الفاصلة بين الإجراءات الأمنية والحقوق الفردية.
الالتزامات الدولية والفجوة التطبيقية
المقررون استندوا في رسالتهم إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، مؤكدين أن السعودية، بوصفها دولة عضو في الأمم المتحدة وطرفًا في مواثيق إقليمية، ملزمة بحماية الحق في الحرية والأمن، وحرية التعبير، وحرية التجمع، وضمان محاكمة عادلة.
غير أن الفجوة بين النصوص والواقع تبقى محور القلق. فبينما تعلن السلطات التزامها بالإصلاحات القانونية، تستمر القضايا التي تشير إلى تضييق على النشطاء، ما يعكس تناقضًا بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية.
قضية محمد البجادي ليست مجرد ملف فردي، بل مؤشر على مسار أوسع في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في السعودية. فحين تُستخدم تشريعات مكافحة الإرهاب لتجريم أنشطة سلمية، يتسع مفهوم “التهديد” ليشمل الرأي ذاته.
مكافحة الإرهاب هدف مشروع لأي دولة، لكن شرعيتها تقوم على احترام القانون وحقوق الإنسان. وإذا غابت هذه الضمانات، يتحول الأمن من وسيلة حماية إلى أداة ردع سياسي. الرسالة الأممية تضع السعودية أمام اختبار واضح: إما مراجعة الإطار التشريعي والممارسات القضائية بما ينسجم مع التزاماتها الدولية، أو استمرار مسار يضعها في مواجهة انتقادات متصاعدة حول توظيف الأمن لإسكات الصوت المختلف






