بينما تتسع فجوة العجز في الميزانية السعودية إلى أعلى مستوياتها الفصلية منذ 2020، تتدفق مليارات الدولارات إلى مسارات ترفيهية ورياضية تُسوَّق بوصفها استثمارًا في “القوة الناعمة” وصناعة صورة جديدة للدولة. الأرقام الأخيرة ليست تفصيلًا عابرًا في نشرات الاقتصاد؛ إنها إنذار هيكلي. عجزٌ فصلي بلغ 94.9 مليار ريال (25.4 مليار دولار) في الربع الأخير من 2025، ليرتفع إجمالي العجز إلى نحو 276.6 مليار ريال مقارنة بـ115.6 مليارًا في 2024، في ظل ضغوط أسعار النفط على المالية العامة. وفي المقابل، يضخ صندوق الاستثمارات العامة مئات الملايين في جولة غولف مثيرة للجدل، مع إنفاقٍ تراكمي يتجه لتجاوز 6 مليارات دولار هذا العام، ورفعٍ لجوائز البطولات إلى مستويات قياسية.
التحول تحت اختبار البرميل
المفارقة ليست محاسبية فحسب، بل سياسية-اقتصادية. عندما يتقلص الهامش المالي بسبب تقلبات النفط، يُفترض أن تنحاز الأولويات إلى تحصين الميزانية، وتوجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية تولّد عائدًا مستدامًا، وتخفّف الاعتماد على مورد أحادي شديد الحساسية للدورات العالمية. لكن ما يحدث يعكس فلسفة مختلفة: تعويض هشاشة الدخل النفطي باستعراضات استثمارية عالية الكلفة، تُراهن على الأثر الرمزي السريع أكثر من العائد الاقتصادي طويل الأمد.
تتحدث الحكومة عن التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. غير أن العجز المتصاعد يكشف حدود هذا التحول حين يُختبر أمام هبوط الأسعار. فلو كانت الإيرادات غير النفطية قد بلغت مستوىً من النضج والمرونة، لما اهتزت المالية العامة بهذا القدر خلال ربع واحد. هذا لا ينفي وجود إصلاحات، لكنه يضعها تحت مجهر الفاعلية: هل أصبحت الإيرادات البديلة قادرة على امتصاص الصدمات، أم أنها ما تزال مكملة لدورة النفط لا بديلًا عنها؟
اقتصاد الصورة وكلفة الفرصة الضائعة
الرهان على الرياضة العالمية بوصفها قاطرة سمعة واستقطاب استثمارات قد يحمل مكاسب معنوية. إلا أن كلفة الفرصة البديلة هنا باهظة. كل دولار يُنفق على جوائز ومكافآت ورعاية بطولات، هو دولار لا يذهب إلى تعميق سلاسل القيمة الصناعية، أو تمويل البحث والتطوير، أو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو تحسين رأس المال البشري. حين يرتفع متوسط الإنفاق الشهري على جولة رياضية إلى 100 مليون دولار، وتُضخ دفعات رأسمالية إضافية بقيمة 267 مليون دولار، فإن السؤال ليس أخلاقيًا فقط، بل مالي بحت: ما هو معدل العائد الداخلي لهذه الاستثمارات مقارنة بخيارات أخرى أقل صخبًا وأكثر استدامة؟
المدافعون عن هذه السياسة سيقولون إن بناء علامة وطنية جديدة يحتاج إلى إنفاق جسور، وإن الرياضة منصة عالمية لفتح الأبواب. لكن العلامات القوية تُبنى فوق أساسات اقتصادية صلبة، لا فوق عجزٍ متفاقم. الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، بل بتوازنات دقيقة بين الإيراد والإنفاق، بين المخاطرة والعائد، بين اللحظة والصيرورة. وعندما يصبح العجز رقمًا بنيويًا لا استثنائيًا، فإن أي إنفاق غير ضروري يفاقم هشاشة الميزانية ويزيد كلفة التمويل.
العجز والدين ورسالة الأسواق
هناك بُعد آخر أكثر عمقًا: العلاقة بين العجز والدين. اتساع الفجوة المالية يعني تمويلًا عبر الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات. كلا الخيارين له كلفة مستقبلية. الدين العام، وإن كان عند مستويات قابلة للإدارة، يصبح عبئًا إذا تزامن مع دورات نفطية هابطة طويلة. أما السحب من الاحتياطيات، فيقلّص وسادة الأمان أمام صدمات أشد. في هذا السياق، يبدو ضخ مليارات في مسارات ترفيهية أقرب إلى سياسة إنفاق دورية مؤيدة للمخاطر بدل أن تكون مضادة لها.
ثم إن الرهان على “اقتصاد الفعاليات” كبديل جزئي للنفط يحتاج إلى قراءة واقعية. السياحة الرياضية والترفيهية تتأثر بدورها بالدورات الاقتصادية العالمية، وبمزاج المستثمرين، وبالقدرة الشرائية للطبقات الوسطى عالميًا. ليست قطاعًا حصينًا من التقلب. كما أن تحويل الإنفاق العام إلى جوائز مالية ضخمة لا يعني تلقائيًا نقل معرفة أو توطين صناعة أو خلق قيمة مضافة محلية، ما لم يُربط بشبكات توريد محلية وتطوير مهارات وبنية تحتية قابلة لإعادة الاستخدام.
المعادلة الأخطر تكمن في الرسالة الضمنية للأسواق: حين ترى مؤشرات العجز تتسع، بينما تُعلن زيادات في الجوائز الرياضية وتمويلات رأسمالية جديدة لبطولات مثيرة للجدل، فإنها تعيد تسعير المخاطر. المستثمرون لا ينظرون فقط إلى حجم الإنفاق، بل إلى هيكله وأولوياته. الاقتصاد الذي يُظهر انضباطًا ماليًا وقت الشدة يكتسب ثقة؛ والذي يُبقي على إنفاق استعراضي رغم الضغط، يغامر بصورة الجدارة الائتمانية على المدى المتوسط.
لا يعني ذلك الدعوة إلى تقشف أعمى أو إغلاق أبواب الانفتاح الرياضي. المقصود هو إعادة ترتيب الأولويات وفق منطق إدارة المخاطر. عندما تنخفض أسعار النفط وتضيق الإيرادات، تُفعل أدوات التحوط: ترشيد الإنفاق غير الأساسي، تسريع الإصلاحات الهيكلية التي ترفع إنتاجية الاقتصاد، وتوجيه رأس المال إلى قطاعات ذات مضاعف إنفاق أعلى وتأثير طويل الأمد. أما الاستمرار في مسار إنفاق ترفيهي كثيف، فيحمل طابع المقامرة: لعل الصورة تعوّض الأرقام.
المؤشر الأوضح على الاختلال هو الفجوة بين خطاب التنويع وواقع الحساسية للنفط. إذا كان هبوط الأسعار وحده قادرًا على دفع العجز إلى أعلى مستوى فصلي منذ سنوات، فإن التنويع لم يبلغ بعد نقطة اللاعودة. وهنا يصبح كل ريال مهمًا، وكل قرار إنفاق اختبارًا لمصداقية الاستراتيجية. ليس من قبيل الصدفة أن الاقتصادات الريعية التي نجحت في التحول، فعلت ذلك عبر انضباط مالي صارم في مراحل الانتقال، لا عبر مضاعفة الإنفاق الرمزي.
حين لا تُغني المدرجات عن ميزان المدفوعات
في النهاية، لا يمكن لملعب أن يسد فجوة ميزانية، ولا لجائزة أن تعوّض اختلالًا هيكليًا. قد تصنع الرياضة عناوين براقة، لكنها لا تصنع توازنًا ماليًا. التحدي الحقيقي أمام صانع القرار السعودي اليوم ليس في كسب بطولة، بل في كسب معركة الأرقام: خفض العجز، تحصين الإيرادات غير النفطية، وإثبات أن التحول الاقتصادي ليس شعارًا يُرفع في مواسم الرواج ويترنح عند أول هبوط في سعر البرميل. إن كانت هناك رؤية للمستقبل، فاختبارها يبدأ من الميزانية لا من المدرجات. فإما أن تُدار الموارد بمنطق الاستدامة والجدوى، أو أن يبتلع العجز ما تبقى من هوامش المناورة، وتتحول الملاعب إلى مرايا تعكس هشاشة ما تحتها






