في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تجد السعودية نفسها محاطة بتحديات أمنية متشابكة، من توترات حدودية إلى صراعات بالوكالة، ومن تهديدات صاروخية وطائرات مسيّرة إلى ضغوط دبلوماسية متناقضة. ورغم ما تمتلكه المملكة من ميزانيات دفاعية ضخمة وصفقات تسليح بمليارات الدولارات، فإن الأداء الفعلي في إدارة الأزمات العسكرية والسياسية يطرح تساؤلات حادة حول الجاهزية، وفعالية القرار، والقدرة على ترجمة الإنفاق إلى قوة حقيقية على الأرض.
الحرب لا تُقاس بحجم السلاح فقط، بل بعمق الرؤية، ومرونة التحالفات، وكفاءة المؤسسة العسكرية، وقوة الدبلوماسية في منع الانزلاق أو تقليل الخسائر. وفي هذه المعادلة، تبدو السعودية في موقع دفاعي أكثر منه هجومي، حذرة أكثر من كونها مبادرة، ومكبّلة باعتبارات داخلية وخارجية تحدّ من قدرتها على التحرك بحرية.
جيش مكلف أداء متواضع
تُعد السعودية من أعلى الدول إنفاقًا على الدفاع في العالم مقارنة بحجم اقتصادها. أسلحة أمريكية وأوروبية متطورة، منظومات دفاع جوي حديثة، طائرات مقاتلة من أحدث الطرازات. على الورق، تبدو الترسانة السعودية ضخمة ومهيبة. لكن التجربة الميدانية، خصوصًا في النزاعات الإقليمية خلال السنوات الماضية، كشفت فجوة واضحة بين حجم الإنفاق والنتائج.
الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت منشآت حيوية داخل المملكة أظهرت هشاشة منظومات الدفاع الجوي أمام تكتيكات غير تقليدية. كما أن الحرب في اليمن، التي كان يُفترض أن تكون عملية خاطفة، تحولت إلى استنزاف طويل الأمد سياسيًا وعسكريًا. هذا التحول من “حسم سريع” إلى “نزاع مزمن” يعكس خللاً في تقدير الموقف وفي فهم طبيعة الحرب غير المتكافئة.
المشكلة لا تكمن فقط في المعدات، بل في البنية المؤسسية: الاعتماد الكبير على الخبرات الأجنبية، محدودية الخبرة القتالية المستقلة، وضعف التنسيق العملياتي في بيئات معقدة. الإنفاق الضخم لم يُترجم إلى عقيدة عسكرية واضحة أو قدرة ردع حاسمة. القوة الصلبة، رغم كلفتها، لم تمنح المملكة اليد العليا كما كان متوقعًا.
دبلوماسية مرتبكة بين المحاور
في ساحة السياسة الخارجية، تبدو السعودية عالقة بين توازنات دقيقة. فهي تسعى إلى الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما تنفتح في الوقت نفسه على الصين وروسيا، وتحاول تحسين علاقاتها مع خصوم إقليميين سابقين. هذا التنويع في التحالفات قد يُقرأ كبراغماتية ذكية، لكنه في سياق الحرب يصبح مصدر ارتباك.
عندما تتصاعد الأزمات، تحتاج الدول إلى شبكة تحالفات صلبة ومتناسقة. أما السياسة القائمة على توزيع العلاقات بين أطراف متنافسة، فقد تؤدي إلى غموض في المواقف وفقدان الثقة لدى بعض الحلفاء. في أوقات التوتر الإقليمي، ظهر أن الرياض تميل إلى الحذر الشديد، متجنبة الانخراط المباشر أو اتخاذ مواقف حاسمة.
هذا الحذر قد يكون مفهومًا من منظور حماية الداخل، لكنه يخلق صورة لدولة تفتقر إلى المبادرة. في ملفات عدة، بدت السعودية متأخرة عن مسار الأحداث، تكتفي بردود الفعل بدل صياغة المسار. ضعف القدرة على قيادة تحالفات إقليمية فعالة يعكس تراجعًا نسبيًا في الدور القيادي التقليدي الذي سعت المملكة إلى ترسيخه لعقود.
الداخل الهش في ظل التهديد الخارجي
أي إدارة حرب ناجحة تعتمد على جبهة داخلية متماسكة. لكن في الحالة السعودية، يتقاطع التوتر الإقليمي مع تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية. اتساع العجز المالي، وضغوط الإنفاق الدفاعي، وتكلفة المشاريع العملاقة، كلها عوامل تقلّص هامش المناورة.
الحرب، حتى إن لم تكن مباشرة، تفرض استنزافًا ماليًا وأمنيًا. الإنفاق الدفاعي المرتفع يأتي على حساب قطاعات أخرى. ومع تذبذب أسعار النفط، يصبح تمويل الاستراتيجية الأمنية عبئًا إضافيًا. هذا الوضع يخلق معادلة صعبة: الحاجة إلى الردع العسكري في مقابل ضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
كما أن القيود السياسية الداخلية تحدّ من مساحة النقاش العام حول الخيارات العسكرية. غياب المساءلة العلنية حول القرارات الأمنية يجعل عملية التقييم الذاتي محدودة. الدول التي تخوض حروبًا طويلة دون مراجعة داخلية جدية، غالبًا ما تجد نفسها في دوامة استنزاف.
قوة بلا حسم ونفوذ بلا اتجاه
السعودية اليوم ليست دولة ضعيفة من حيث الموارد، لكنها تبدو مقيدة في تحويل هذه الموارد إلى نفوذ حاسم. جيش مكلف لم يثبت تفوقًا حاسمًا في ساحات النزاع، دبلوماسية حذرة حدّ التردد، وجبهة داخلية تواجه تحديات اقتصادية متراكمة. في بيئة إقليمية مشتعلة، لا يكفي امتلاك السلاح أو المال؛ المطلوب رؤية استراتيجية متماسكة وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة بثقة.
الاستمرار في نهج يعتمد على شراء القوة بدل بنائها، وعلى إدارة التوازنات بدل قيادتها، قد يُبقي المملكة في موقع رد الفعل بدل الفعل. الحرب ليست فقط مواجهة عسكرية، بل اختبار شامل لصلابة الدولة ومؤسساتها.
السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: هل تملك السعودية الشجاعة لإعادة تقييم عقيدتها الأمنية والدبلوماسية بعمق، أم ستبقى عالقة بين طموح النفوذ وواقع القيود؟






