لا تثق في من خان أهله.. حكمة عمرها آلاف السنوات وُجدت مكتوبة على جدران معابد الصين شرقا إلى تماثيل بقايا المايا في أقصى غرب العالم.. لكن يبدو أن أبو ظبي احتاجت الكثير من الوقت لتدرك هذه البديهية ببساطة، لتكتشف أن شريكها في الشر المطلق يخطط لطعنها في ظهرها، ويخون عشرة الحرام بينهما.
فقد قال تقرير لوكالة رويترز إن السعودية زادت الرهانات في المنافسة مع دبي التي تنطلق بأقصى سرعة لاجتذاب المواهب والأموال الأجنبية، وذلك عبر خطوتين، بدأت بالحديث عن أكذوبة نيوم، ثم بقرار المملكة إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة خارج المملكة بدءا من مطلع العام 2024.

وأضاف تقرير رويترز أن السعودية تتطلع لانتزاع التاج من دبي، وأن الإمارات تأخذ على محمل الجد التهديد القادم من المملكة أكبر اقتصاد عربي وأكبر مصدر للنفط في العالم. وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان لرويترز الاثنين إنه اعتبارا من 2024، ستتوقف الحكومة عن منح عقود حكومية لأي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي بمنطقة الشرق الأوسط في أي دولة أخرى غير المملكة.
واعتبر تقرير رويترز أن القرار السعودي الجديد هو أحدث محاولة من جانب الرياض لإعادة تشكيل نفسها كمحور مالي وسياحي. ونقلت الوكالة عن راشيل زيمبا من مركز الأمن الأميركي الجديد للبحوث قوله “إنه تحد جديد للأعمال في الإمارات، لاسيما دبي”. كما نقلت عن مصرفيين قولهم إن الأمر استغرق من الإمارات سنوات لجذب الشركات، وإن الانتقال إلى الرياض بعد عقود في دبي سيكون صعبا. وأفاد أحدهم أن بعض المؤسسات المالية التي لها مكاتب في السعودية قد تغير أسماءها إلى مقرات إقليمية، مع الإبقاء على وجود في دبي.
ردود فعل
وفي رد فعل من داخل الإمارات، قال ناصر الشيخ المدير العام السابق للدائرة المالية في دبي إن تحرك الرياض يتناقض مع مبادئ السوق الخليجية الموحدة. وكتب على تويتر بعد الإعلان السعودي “التجارب العالمية والتاريخ أثبتا أن الجذب القسري غير مستدام”.
وفي وقت سابق نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) عن مصدر قوله إن القرار يشمل الهيئات والمؤسسات والصناديق التابعة للحكومة أو أيا من أجهزتها. وأشار المصدر إلى أن القرار يهدف إلى الحد من التسرب الاقتصادي، ورفع كفاءة الإنفاق، وضمان أن المنتجات والخدمات التي تشتريها المؤسسات الحكومية يتم تنفيذها في المملكة وبمحتوى محلي مناسب.
تحفيزات كاذبة
وتقدم السعودية للشركات -التي تؤسس مقرات إقليمية في الرياض- إعفاء كاملا من الضرائب على الشركات لمدة 50 عاما، وهو إعفاء مشروط بتوظيف سعوديين لما لا يقل عن 10 سنوات، وأفضلية محتملة في مناقصات وعقود الكيانات الحكومية، وذلك بحسب نشرة “استثمر في السعودية” التي تشرف عليها وزارة الاستثمار. وأظهرت النشرة أن الشركات ستحصل على خدمات إعادة تموضع وإصدار أسرع للتراخيص وقواعد ميسرة لتصاريح العمل للأزواج، وفق رويترز.
وجعلت البنية التحتية الحديثة والقوانين السلسة من دبي المقر الإقليمي المفضل للشركات الدولية، لكن خروج الرياض من عباءة التشدد في السنوات الأخيرة أيقظ منافسا عملاقا. وقد سهّلت الإمارة الخليجية الثرية فتح الأعمال التجارية في منطقة تعاني من البيروقراطية مما ساعدها على استضافة حوالي 140 مقرا لشركات كبرى خلال ثلاثة عقود، أكثر من أي مدينة أخرى في الشرق الأوسط.

وبينما كانت بيئة الأعمال تزدهر في دبي، تعثر النمو في الرياض، عاصمة أكبر اقتصاد عربي، بسبب السياسات المتشددة والتهديدات الأمنية والفساد. فأعلنت الرياض أنّها ستوقف اعتباراً من مطلع العام 2024 التعامل مع شركات أجنبية تقيم مقرات إقليمية لها خارج السعودية. وتمثّل الخطوة المفاجئة تحدّيا مباشرا لدبي وتهدّد بسباق مفتوح محتدم بين الجارتين الحليفتين، السعودية والإمارات.
وتلطّخت عملية التجديد بجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في اسطنبول عام 2018، والحملة القمعية ضد المعارضة التي شهدت وضع العديد من المنتقدين السلميين وراء القضبان.
الإمارات تترنح
وبعدما وصلت رياح المنافسة للإمارات، استجابت الدولة النفطية بسرعة للتحدي الجديد. فرفعت البلاد التي يسكنها مليون إماراتي وتسعة ملايين أجنبي الحظر المفروض على إقامة غير المتزوجين معا، وخففت القيود المفروضة على الكحول، وعرضت تأشيرات طويلة الأجل ومنح الجنسية لأفراد معينين، ووقّعت اتفاق تطبيع علاقات مع إسرائيل ليجتمع معا أكثر اقتصادات المنطقة تنوّعا.
قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة “ستراتفور” الاستشارية ريان بوهل إن على الإمارات أن “تسرّع بعض الإصلاحات التي لا تزال غير ممكنة في السعودية” حتى تظل قادرة على منافسة المملكة التي يسكنها 34 مليون شخص اكثر من نصفهم من الشباب.
ولا تزال المدن السعودية تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة في قطاعات رئيسية مثل النقل والمصارف، بينما تعاني بعض الوزارات من بيروقراطية متجذّرة. ولا تزال المدن السعودية تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة في قطاعات رئيسية مثل النقل والمصارف، بينما تعاني بعض الوزارات من بيروقراطية متجذّرة.
ووبحسب بوهل، فإنّ الرياض بعيدة جدا عن “دبي وحتى أبوظبي من حيث الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم وأماكن الترفيه”. وتابع أن “الحقيقة الصعبة الأخرى هي أن في السعودية 19 مليون مواطن محافظ إلى حد كبير سيكونون أقل قابلية للتفاعل مع العادات الاجتماعية الغربية لسنوات قادمة مقارنة بالإمارات”.
ومن المتوقع أن تتعرض جهودها لتحسين صورتها لضغوط من قبل الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة بعدما لوّح الرئيس جو بايدن بجعل المملكة “منبوذة” على خلفية جريمة مقتل خاشقجي وسجلّها الحقوقي وحرب اليمن.
أما عالميا، فقد تساءل الكاتب بوبي غوش في موقع “بلومبيرغ” عن أثر التنافس الاقتصادي المتصاعد بين الإمارات والسعودية على التحالف القوي بينهما. فقد ظل البلدان وعلى مدى السنوات الماضية على خطوة واحدة في السياسة الخارجية. فالعلاقة الشخصية بين ولي عهد السعودية وولي عهد أبو ظبي وكلاهما حاكم فعلي لبلده سمحت لهما بتوجيه دفة مجلس التعاون الخليجي ووضع الأجندة للعالم العربي.
وبحسب الكاتب يشترك محمد بن سلمان ومحمد بن زايد في المخاوف من إيران، فيما هناك من يؤكد أن علاقات الإمارات وإيران أقوى خلف الستار. وشكل بلديهما تحالف لمواجهة المتمردين الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن وفرضا حصارا على قطر. وفي خارج الشرق الأوسط تعاونا على التوسط في السلام بين إثيوبيا وإريتريا وبحثا عن تحالفات أمنية وعسكرية في آسيا وأفريقيا. وفي مرة تعهدا بإقامة شراكة اقتصادية بينهما وفي الخارج.
وكتب أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الله عبد الخالق في تغريدة، الأربعاء، “الشركات والمصارف العابرة للقارات التي تتخذ دبي مقرا منذ 30 سنة، اختارت دبي دون غيرها بسبب نوعية الحياة والميزات التنافسية وبيئة تشريعية واجتماعية وبنية تحتية فريدة”.
وهذه ليست التحديات الوحيدة. فبينما يُنظر إلى دبي على أنها واحدة من أكثر المدن أمانا في المنطقة، تواجه الرياض تهديدا من متمردي اليمن حيث تقود تحالفا عسكريا منذ 2015، والجماعات المتطرفة على حد سواء.
اقرأ أيضًا: نيوم السعودية.. إسرائيل أخرى على أرض الخليج






