البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“مليارات تُحرق على الحلبة” انهيار الطفرة الرياضية يكشف عبث الإنفاق وشخصنة القرار في نظام بن سلمان

“مليارات تُحرق على الحلبة” انهيار الطفرة الرياضية يكشف عبث الإنفاق وشخصنة القرار في نظام بن سلمان

بن سلمان
بن سلمان

انكشاف متسارع يضرب أحد أكثر الملفات التي روّج لها نظام محمد بن سلمان كدليل على “التحول” والانفتاح. الطفرة الرياضية التي أُنفقت عليها عشرات المليارات لم تعد قصة نجاح كما حاولت الآلة الإعلامية تصويرها، بل تحوّلت إلى نموذج صارخ لسوء إدارة الموارد، حيث يُضخ المال بلا حساب، وتُتخذ القرارات وفق الأهواء، ثم يأتي التراجع متأخرًا بعد خسائر ضخمة لا يمكن تبريرها.

التقارير الدولية الأخيرة، من فايننشال تايمز إلى بلومبيرغ وذا أثليتيك، تكشف بوضوح أن ما يجري ليس مجرد “إعادة تقييم”، بل بداية انهيار نموذج كامل قام على شراء النجوم بدل بناء منظومة، وعلى الاستعراض بدل الجدوى الاقتصادية. الحديث لم يعد عن توسع، بل عن انسحاب، وعن محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن تحولت الرياضة إلى حفرة استنزاف مالي.

ليف غولف”18 مليار ريال بلا جمهور

النموذج الأوضح للفشل يتمثل في بطولة “ليف غولف”، التي ضخ فيها صندوق الاستثمارات العامة أكثر من 5 مليارات دولار، أي ما يتجاوز 18.7 مليار ريال سعودي منذ 2021. هذا الرقم الضخم لم يُترجم إلى نجاح، بل إلى خسائر مستمرة، واعتراف ضمني بأن المشروع قد يحتاج عقدًا كاملًا ليصل إلى نقطة التعادل، إن وصل أصلًا.

بحسب ما أوردته فايننشال تايمز، فإن المشكلة لم تكن في جذب اللاعبين، حيث تم إغراؤهم برواتب خيالية، بل في فشل البطولة في تحقيق العنصر الأساسي: الجمهور. رياضة بلا جمهور ليست صناعة، بل عرض مدفوع التكاليف، يعيش فقط طالما استمر التمويل.

هذا الفشل لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة مباشرة لنموذج قائم على فرض الحضور بالمال، دون بناء قاعدة جماهيرية أو منظومة تنافسية حقيقية. الأموال اشترت الأسماء، لكنها لم تشترِ الاهتمام، وهو ما جعل المشروع هشًا منذ البداية.

انسحاب جماعي صامت: التنس وكرة القدم والألعاب الوهمية

التراجع لا يقتصر على الغولف، بل يمتد عبر عدة رياضات، ما يؤكد أن الأزمة بنيوية وليست حالة منفردة. قرار مغادرة نهائيات رابطة محترفات التنس للرياض بعد ثلاث سنوات فقط يكشف أن الاستضافة لم تحقق أهدافها، رغم التكاليف الضخمة.

في كرة القدم، موافقة صندوق الاستثمارات العامة على بيع حصته في نادي الهلال تمثل خطوة لافتة، تعكس بداية تفكيك بعض الاستثمارات التي كانت تُقدَّم كرموز للهيمنة الرياضية. هذه الخطوة، رغم أهميتها، لم تُطرح كتحول استراتيجي، بل كإجراء ضمني لتخفيف الأعباء.

المشاريع الأخرى تبدو أكثر عبثية. تأجيل دورة الألعاب الشتوية الآسيوية إلى أجل غير مسمى يعكس فشل فكرة كانت منذ البداية بعيدة عن المنطق، حيث تم الترويج لرياضة “شتوية” في بيئة صحراوية. إلغاء مشروع الألعاب الأولمبية للرياضات الإلكترونية، وفشل الدخول في مشروع كرة السلة الأوروبية، يكشف أن التوسع كان عشوائيًا، بلا رؤية واضحة.

إدراك متأخر: من الهدر إلى البحث عن الأرباح

التحول الذي تتحدث عنه بلومبيرغ، حيث بدأ المسؤولون يبحثون عن تحقيق أرباح من الرياضة، يكشف حجم التأخر في إدراك المشكلة. بعد سنوات من ضخ الأموال بلا حساب، يتم الآن طرح سؤال بسيط: هل يمكن لهذه المشاريع أن تحقق عوائد؟

هذا السؤال، الذي كان يجب أن يكون نقطة البداية، جاء بعد إنفاق مليارات الدولارات. البحث عن شركاء لبناء ملاعب كأس العالم بدل تمويلها بالكامل يعكس أن الموارد لم تعد كافية لتحمل نفس النهج.

هذا التحول لا يعني تغييرًا جذريًا، بل محاولة لتقليل الخسائر. المشاريع التي لا يمكن تبريرها اقتصاديًا بدأت تتراجع، بينما يتم الإبقاء على ما يمكن تسويقه أو تقليصه.

شغف” بدل استراتيجية: عندما تتحكم الأهواء في المليارات

أخطر ما تكشفه هذه المرحلة ليس فقط الفشل المالي، بل طبيعة اتخاذ القرار. استمرار الاستثمار في الملاكمة، بحسب ما نقلته ذا أثليتيك، لا يعتمد على جدوى اقتصادية، بل على “شغف” تركي آل الشيخ بهذه الرياضة.

هذا التصريح وحده يكشف جوهر المشكلة: مليارات تُدار وفق الاهتمامات الشخصية، لا وفق دراسات اقتصادية. عندما يصبح “الشغف” معيارًا لتوجيه الأموال العامة، تتحول الاستثمارات إلى مشاريع فردية، لا سياسات دولة.

الحديث عن إدخال “عنصر تجاري” إلى هذه الفعاليات يعكس محاولة لتبرير الاستمرار، لكنه لا يغير من الواقع: القرارات لا تزال تُتخذ بشكل شخصي، والنتائج تُترك لاحقًا لمعالجة الخسائر.

الحرب تعيد ترتيب الأولويات: الأمن قبل الاستعراض

العامل الحاسم في هذا التحول يتمثل في التطورات الإقليمية، خاصة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران. هذه الحرب لم تغيّر فقط التوازنات السياسية، بل فرضت واقعًا جديدًا على الإنفاق.

فجأة، أصبح الدفاع الجوي أكثر أهمية من تنظيم سباقات السيارات أو دفع ملايين الدولارات للملاكمين. هذا التحول يعكس أن الموارد لم تعد تسمح بالاستمرار في الإنفاق الترفيهي بنفس الوتيرة.

الإنفاق العسكري، إلى جانب الضغوط المالية الناتجة عن تراجع بعض الإيرادات، جعل من الصعب تبرير استمرار المشاريع الرياضية الضخمة. هذا ما يفسر التراجع المتسارع، الذي لم يُعلن بشكل رسمي، لكنه يظهر بوضوح في القرارات المتتالية.

نموذج فاشل يتكرر: المال لا يصنع منظومة

المشكلة الأساسية في كل هذه المشاريع أنها اعتمدت على نفس الفكرة: المال يمكن أن يخلق نجاحًا سريعًا. هذه الفكرة أثبتت فشلها، لأن النجاح في الرياضة، كما في الاقتصاد، يحتاج إلى قاعدة، لا مجرد قمة.

غياب الجمهور، غياب العوائد، وغياب الاستدامة، كلها نتائج طبيعية لهذا النموذج. المشاريع لم تُبنَ لتعيش، بل لتُعرض، وعندما ينتهي العرض، تنكشف الحقيقة.

التقارير الدولية لم تعد تتحدث عن “طفرة”، بل عن “تجربة مكلفة”، وهو توصيف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ما حدث لم يكن تحولًا حقيقيًا، بل موجة إنفاق بلا أساس.

 “رياضة بلا عقل” حين تتحول المليارات إلى درس في الفشل

ما يجري اليوم ليس مجرد تراجع في بعض المشاريع، بل انهيار لرؤية كاملة، قامت على استبدال التخطيط بالإنفاق، والاستراتيجية بالاستعراض، والمؤسسات بالأفراد. الطفرة الرياضية التي رُوّج لها كإنجاز تاريخي، تتحول الآن إلى ملف يفضح طريقة إدارة الموارد في نظام بن سلمان.

المليارات التي أُنفقت لم تبنِ صناعة، ولم تخلق جمهورًا، ولم تحقق عوائد، بل كشفت أن المال وحده لا يكفي لصناعة النفوذ. ومع كل مشروع يتم تقليصه أو إلغاؤه، تتضح الحقيقة أكثر: المشكلة لم تكن في التنفيذ، بل في الفكرة نفسها. المرحلة القادمة لن تكون عن التوسع، بل عن محاولة احتواء الخسائر. لكن حتى هذه المحاولة تأتي متأخرة، بعد أن تحولت الرياضة من أداة تلميع إلى دليل إضافي على فشل نموذج يعتمد على الإنفاق بلا حساب، والقرار بلا مساءلة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية