صورة براقة تُروّج لعالم من الاستثمارات العملاقة والأصول الضخمة، لكنها تخفي خلفها واقعًا أكثر هشاشة مما يُعلن. تقرير صحيفة وول ستريت جورنال يفتح واحدًا من أخطر الملفات في اقتصاد نظام محمد بن سلمان: صندوق الاستثمارات العامة، الذي يُفترض أنه ركيزة “رؤية 2030”، يتحول تدريجيًا إلى مصدر قلق بسبب أزمة سيولة متصاعدة، وعوائد ضعيفة، وتوسع غير منضبط يهدد استدامته.
المفارقة الصادمة أن الصندوق، الذي تُقدّر أصوله بأكثر من 900 مليار دولار، يواجه صعوبات نقدية حقيقية، ما يكشف أن حجم الأصول لا يعكس بالضرورة قوة مالية فعلية. هذه الفجوة بين الأرقام الضخمة والواقع المالي تعني أن ما يُعرض كنجاح استثماري قد يكون في الحقيقة تضخمًا حسابيًا، يخفي خلفه خللًا عميقًا في الإدارة.
أصول ضخمة لكن بلا سيولة: كيف ينكشف التناقض
القاعدة الأساسية لأي صندوق سيادي هي القدرة على تحقيق توازن بين الأصول والسيولة، لكن ما يكشفه تقرير وول ستريت جورنال هو أن هذا التوازن مفقود. جزء كبير من أصول الصندوق مُجمّد في مشاريع طويلة الأجل، ما يحدّ من قدرته على التحرك أو مواجهة الأزمات.
الأخطر أن نمو الأصول لم يكن نتيجة أداء استثماري فعلي، بل نتيجة نقل حصص حكومية، خصوصًا في شركة أرامكو. هذا يعني أن الأرقام الكبيرة لا تعكس نجاحًا في الاستثمار، بل إعادة توزيع للأصول داخل الدولة.
في هذا السياق، تصبح الأصول أشبه برصيد على الورق، لا يمكن تحويله بسهولة إلى سيولة. هذه المشكلة تظهر بوضوح مع زيادة الالتزامات المالية، حيث يجد الصندوق نفسه مطالبًا بتمويل مشاريع جديدة، دون امتلاك تدفقات نقدية كافية.
مشاريع عملاقة تتحول إلى عبء: نيوم نموذجًا
أحد أبرز أسباب الأزمة يتمثل في التوسع في مشاريع داخلية ضخمة، مثل “نيوم” و”ذا لاين”. هذه المشاريع، التي تم تقديمها كرموز للمستقبل، تحولت إلى مراكز استنزاف مالي، مع ارتفاع التكاليف وتأجيل التنفيذ.
التقرير يشير إلى أن هذه المشاريع لم تحقق عوائد، بل خلقت فجوة بين الوعود والواقع. مواقع إنشائية متعثرة، خطط يتم تقليصها، وعدم وضوح بشأن الجدوى الاقتصادية، كلها مؤشرات على أن الاستثمار لم يكن مدروسًا.
هذا النمط يعكس خللًا في الاستراتيجية، حيث يتم ضخ الأموال في مشاريع طويلة الأجل دون ضمانات للنجاح، ما يقيّد السيولة ويزيد من المخاطر.
استثمارات خارجية عالية المخاطر: مليارات بلا ضمان
الأزمة لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى الاستثمارات الخارجية. الصندوق ضخ عشرات المليارات في صفقات إعلامية وتكنولوجية، دون تحقيق عوائد واضحة.
التقرير يذكر التزامًا بضخ 30 مليار دولار في قطاع الألعاب، و10 مليارات في الإعلام، إضافة إلى خطط لإنفاق 100 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي. هذه الأرقام تعكس توسعًا مستمرًا، رغم الضغوط المالية.
المفارقة أن هذه الاستثمارات تأتي في وقت يحاول فيه الصندوق تقليص الإنفاق. هذا التناقض يعمّق الأزمة، لأنه يزيد من الالتزامات بدل تخفيفها.
الرياضة كعبء إضافي: “ليف غولف” مثالًا
الاستثمارات الرياضية، التي كانت تُقدَّم كأداة للنفوذ، تحولت إلى عبء مالي واضح. بطولة “ليف غولف”، التي ضخ فيها الصندوق مليارات الدولارات، سجلت خسائر تقارب 600 مليون دولار في عام واحد.
هذا الرقم يعكس فشل النموذج، حيث لم تحقق البطولة عوائد، بل استنزفت الموارد. الإنفاق على جذب النجوم وتنظيم الفعاليات لم يُترجم إلى إيرادات، ما جعل المشروع غير مستدام.
هذا النمط يتكرر في قطاعات أخرى، حيث يتم استخدام المال لشراء الحضور، دون بناء قاعدة اقتصادية.
عوائد ضعيفة وفرص ضائعة
أحد أخطر ما يكشفه التقرير هو ضعف العوائد. في بعض السنوات، اقتربت عوائد الصندوق من الصفر، رغم أن الأسواق العالمية كانت تحقق نموًا كبيرًا.
هذا التباين يعكس فشلًا في استغلال الفرص الاستثمارية. بينما حققت صناديق سيادية أخرى مكاسب كبيرة، بقي أداء الصندوق السعودي محدودًا.
السبب يعود إلى طبيعة الاستثمارات، التي تركز على مشاريع طويلة الأجل أو عالية المخاطر، بدل استثمارات سائلة تحقق عوائد منتظمة.
مقارنة كاشفة: لماذا تتفوق صناديق الخليج الأخرى؟
التقرير يقارن بين الصندوق السعودي ونظيره في الإمارات وقطر، ويكشف اختلافًا جوهريًا في الاستراتيجية. الصناديق الأخرى تركز على استثمارات سائلة، يمكن التخارج منها بسهولة، وتحقق عوائد مستقرة.
في المقابل، يعتمد الصندوق السعودي على مشاريع داخلية ضخمة، ما يقيّد السيولة ويزيد من المخاطر. هذا الاختلاف يفسر الفجوة في الأداء، حيث تحقق الصناديق الأخرى نتائج أفضل رغم حجمها الأصغر.
إقرار محافظ الصندوق بإعادة تقييم الأولويات يمثل اعترافًا ضمنيًا بوجود أزمة. محاولة تحقيق الأهداف برأس مال أقل تعكس أن الموارد لم تعد كافية لدعم نفس النهج.
لكن هذا التعديل لا يعالج المشكلة الأساسية، بل يخفف من آثارها. طالما استمر النموذج القائم على التوسع غير المدروس، ستظل الأزمة قائمة.
“ثروة بلا عائد”حين تتحول الأصول إلى عبء
ما يكشفه تقرير وول ستريت جورنال ليس مجرد أزمة سيولة، بل خلل في النموذج الاقتصادي نفسه. صندوق يُفترض أن يكون أداة للاستثمار، يتحول إلى مصدر ضغط بسبب قرارات توسعية غير محسوبة.
الأصول الضخمة لم تتحول إلى عوائد، والمشاريع الكبرى لم تحقق نتائج، والاستثمارات الخارجية لم توفر الأمان المالي. النتيجة هي منظومة تبدو قوية من الخارج، لكنها تعاني من ضعف داخلي.
الحقيقة التي تتضح أن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في طريقة استخدامها. في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال ليس عن حجم الصندوق، بل عن قدرته على الاستمرار، في وقت تتزايد فيه الالتزامات، وتتراجع فيه العوائد، ويقترب فيه النموذج من حدوده القصوى.






