مشروع قُدّم للعالم باعتباره “مستقبل البشرية” ينتهي اليوم كواحد من أكثر الأمثلة فجاجة على الهدر المالي في العصر الحديث. “ذا لاين”، قلب مشروع نيوم، لم يعد مدينة قيد التنفيذ، بل حفرة عملاقة في الصحراء، ابتلعت أكثر من 50 مليار دولار دون أن تنتج مدينة، أو اقتصادًا، أو حتى مجتمعًا بشريًا واحدًا. ما حدث ليس مجرد تعثر مشروع، بل انهيار سردية كاملة بُنيت على الوهم، والتسويق، والقرارات المرتجلة.
الأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الكارثة. أكثر من 187 مليار ريال صُرفت على ما انتهى إلى “أساسات في الرمال”، بلا بنية تشغيلية، بلا سكان، وبلا أي مؤشرات على إمكانية استكمال المشروع كما تم الترويج له. هذا ليس فشلًا جزئيًا، بل نموذج مكتمل لكيفية إدارة مشروع ضخم خارج أي منطق اقتصادي أو تخطيطي.
مشروع بلا مدينة: كيف تحوّل “ذا لاين” إلى حفرة مكلفة
عند الإعلان عن “ذا لاين”، تم تسويقه كمدينة ثورية تمتد مئات الكيلومترات، بلا سيارات، وبنمط حياة جديد بالكامل. هذه الرؤية، رغم طموحها، لم تستند إلى أساس واقعي من حيث التمويل أو التنفيذ.
بحلول لحظة وقف التمويل، كانت مليارات الدولارات قد أُنفقت بالفعل، دون تحقيق تقدم حقيقي. ما تم إنجازه على الأرض لم يتجاوز أعمال حفر وهياكل أولية، دون أي أنظمة تشغيل أو بنية تحتية قابلة للاستخدام.
التقارير التي تناولت المشروع، بما في ذلك ما وثقته منصات متخصصة في المشاريع الكبرى، تشير إلى أن التنفيذ كان يسير بوتيرة غير متوازنة، حيث يتم ضخ الأموال في الإنشاء دون وجود خطة واضحة للتشغيل أو الاستدامة.
النتيجة أن المشروع، بدل أن يكون مدينة، أصبح موقع بناء متوقف، يعكس فجوة هائلة بين الطموح والواقع.
50 مليار بلا عائد: أين ذهبت الأموال؟
الرقم—50 مليار دولار—لا يمثل فقط تكلفة، بل حجم الفرصة الضائعة. هذا المبلغ، وفق تقديرات هندسية، كان كافيًا لتنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة في عدة دول، أو لتطوير مدن قائمة بدل محاولة إنشاء مدينة من الصفر في بيئة قاسية.
المقارنة التي تشير إلى أن هذا المبلغ كان يمكن أن يغطي مشاريع جسور وأنفاق ومطارات في الخليج مجتمعة، تعكس حجم الاختلال في تخصيص الموارد. بدل توجيه الأموال إلى مشاريع ذات عائد مباشر، تم ضخها في مشروع عالي المخاطر، دون ضمانات للنجاح.
هذا النمط يتكرر في عدة مشاريع ضمن رؤية 2030، حيث يتم التركيز على الحجم والرمزية، بدل الجدوى الاقتصادية. النتيجة هي مشاريع ضخمة على الورق، لكنها تواجه صعوبات في التنفيذ.
التهجير مقابل الوهم: الثمن الإنساني للمشروع
واحدة من أكثر النقاط قتامة في هذه القصة تتعلق بقبيلة الحويطات، التي فقدت موطنها لصالح مشروع لم يكتمل. هذا الجانب يكشف أن الفشل لم يكن ماليًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.
عمليات الإخلاء التي رافقت المشروع تمت في إطار تسريع التنفيذ، لكن مع توقف المشروع، يصبح السؤال أكثر حدة: لماذا تم تهجير السكان من أجل مشروع لم يتحقق؟
هذا التناقض يعكس خللًا في طريقة اتخاذ القرار، حيث يتم التعامل مع الأرض والسكان كعناصر ثانوية، يمكن التضحية بها لصالح مشاريع غير مضمونة.
إدارة بلا خطة: لماذا فشل المشروع؟
الفشل في “ذا لاين” لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل. أولها غياب التخطيط الواقعي، حيث تم الإعلان عن مشروع ضخم دون دراسة كافية للتكلفة أو الجدوى.
ثانيًا، الاعتماد على الإنفاق المكثف بدل التنفيذ المرحلي. المشاريع الناجحة عادة تبدأ بحجم محدود، ثم تتوسع تدريجيًا، لكن “ذا لاين” بدأ بأقصى طموح ممكن، ما جعل التنفيذ معقدًا.
ثالثًا، التغير المستمر في الرؤية. تقارير متعددة أشارت إلى إعادة تصميم المشروع عدة مرات، ما أدى إلى تأخير التنفيذ وزيادة التكاليف.
هذه العوامل مجتمعة جعلت المشروع غير مستقر، حيث يتم تعديل الخطط باستمرار، دون الوصول إلى مرحلة تشغيلية.
من “مستقبل البشرية” إلى رمز للفشل
التحول في صورة المشروع يعكس تغيرًا أوسع في النظرة إليه. ما كان يُقدَّم كرمز للابتكار أصبح مثالًا على المبالغة في الطموح دون أساس.
وسائل الإعلام الدولية، مثل وول ستريت جورنال، سبق أن أشارت إلى أن بعض أجزاء المشروع تحولت إلى مواقع مهجورة، وأن العمل تباطأ بشكل ملحوظ. هذا التوصيف يتقاطع مع ما يظهر اليوم من توقف التمويل.
هذا التحول لا يقتصر على “ذا لاين”، بل يؤثر على صورة المشاريع الأخرى، حيث يطرح تساؤلات حول قدرة النظام على تنفيذ خططه الكبرى.
صمت رسمي وانكشاف تدريجي
أحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو الصمت الرسمي. لا يوجد إعلان واضح عن فشل المشروع، بل يتم التراجع بشكل تدريجي، عبر تقليص التمويل أو تعديل الخطط.
هذا الأسلوب يعكس محاولة لتجنب الاعتراف المباشر بالفشل، لكنه لا يمنع ظهور الحقائق. الصور، التقارير، والأرقام، كلها تشير إلى أن المشروع لم يعد يسير كما كان مخططًا.
هذا الصمت يخلق فجوة بين الخطاب والواقع، حيث يستمر الترويج للمشاريع، بينما تتراجع على الأرض
“نيوم مدينة لم تولد”حين تتحول المليارات إلى أثر في الصحراء
ما تبقى من “ذا لاين” ليس مدينة، بل درس مكلف في إدارة المشاريع. 50 مليار دولار لم تُنتج مجتمعًا، ولا اقتصادًا، بل حفرة في الصحراء، وواقعًا يكشف حدود النموذج الذي يعتمد على الطموح غير المدروس.
القصة لم تعد عن مشروع واحد، بل عن نهج كامل، يقوم على الإعلان الكبير، والإنفاق الضخم، والتراجع الصامت. هذا النهج قد ينجح في جذب الانتباه، لكنه لا يصمد أمام اختبار الواقع.
الحقيقة التي تفرض نفسها أن “نيوم” لم تكن فقط مشروعًا غير مكتمل، بل رمزًا لفكرة أكبر: أن المال وحده لا يبني مدنًا، وأن القرارات التي تُتخذ دون حساب، تنتهي غالبًا إلى نفس النتيجة—هياكل بلا حياة، ووعود بلا تحقق، وصحراء تحتفظ بكل شيء إلا النجاح.






