البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“تقشّف على الورق وإنفاق على الواجهة”نظام بن سلمان يلغي المشاريع الكبرى ويضخ الملايين في الأزياء

“تقشّف على الورق وإنفاق على الواجهة”نظام بن سلمان يلغي المشاريع الكبرى ويضخ الملايين في الأزياء

بن سلمان
بن سلمان

تناقض صارخ يتكرّر في سياسات نظام محمد بن سلمان، حيث تُعلن الحكومة عن تجميد مشاريع عملاقة وتقليص الإنفاق تحت ضغط الأزمات المالية، بينما تستمر في ضخ الأموال في مشاريع استعراضية لا تمس جوهر الاقتصاد. أحدث هذه المفارقات تمثّل في إطلاق صندوق “ZYA” للأزياء باستثمار يبلغ 80 مليون دولار، وفق ما أورده موقع WWD، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على ضغوط مالية حقيقية داخل مؤسسات الدولة.

الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام. في الأسابيع الأخيرة، توالت التقارير الدولية التي كشفت عن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتقليص الاستثمارات في قطاعات كبرى، وتأجيل مشاريع بمليارات الدولارات. لكن بدل أن ينعكس هذا التقشف على جميع القطاعات، يظهر أن بعض المجالات—خصوصًا المرتبطة بالصورة والواجهة—لا تزال تحظى بأولوية.

تقليص في العمق وتمويل في الهامش

القرارات الأخيرة بتجميد أو إعادة تقييم مشاريع ضخمة، خاصة في قطاعات البنية التحتية والترفيه، تعكس محاولة للسيطرة على العجز المالي المتزايد. تقارير وول ستريت جورنال وبلومبيرغ خلال عام 2026 أشارت إلى أن صندوق الاستثمارات العامة يواجه ضغوط سيولة، ما دفعه إلى تقليص الإنفاق وبيع بعض الأصول.

في هذا السياق، يصبح إطلاق صندوق جديد للأزياء بمئات الملايين خطوة تثير التساؤلات. إذا كانت الأولوية هي ضبط الإنفاق، فلماذا يتم توجيه الموارد إلى قطاع لا يمثل ركيزة اقتصادية أساسية؟

هذا التناقض يكشف أن سياسة التقشف ليست شاملة، بل انتقائية، حيث يتم تقليص الإنفاق في المشاريع التي لم تعد قابلة للتسويق، مقابل استمرار الدعم للمشاريع التي تخدم الصورة العامة.

الاقتصاد أم الصورة؟ لماذا الأزياء الآن؟

الاستثمار في قطاع الأزياء يُقدَّم عادة كجزء من تنويع الاقتصاد، لكن في الحالة السعودية، يبدو أقرب إلى مشروع تجميلي. 80 مليون دولار قد لا تكون رقمًا ضخمًا مقارنة بمشاريع أخرى، لكنها تحمل دلالة واضحة على طبيعة الأولويات.

في ظل تحديات تتعلق بالعجز، وارتفاع الديون، وتراجع بعض الاستثمارات، يصبح توجيه الأموال إلى قطاع الأزياء مؤشرًا على أن الهدف ليس اقتصاديًا بحتًا، بل مرتبط بإعادة تشكيل الصورة.

هذا النمط يتكرر في عدة مجالات، حيث يتم الاستثمار في قطاعات ذات طابع إعلامي أو استعراضي، بدل التركيز على القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تحقق عوائد مستدامة.

صندوق التنمية الثقافية: واجهة جديدة للإنفاق

دعم صندوق “ZYA” من قبل صندوق التنمية الثقافية يعكس توسعًا في استخدام المؤسسات الثقافية كقنوات للإنفاق. هذه المؤسسات، التي يُفترض أن تدعم الإبداع، تتحول في بعض الحالات إلى أدوات لتمويل مشاريع لا تخضع لنفس المعايير الاقتصادية الصارمة.

هذا التحول يطرح تساؤلات حول دور هذه الصناديق، وهل تُدار وفق رؤية اقتصادية واضحة، أم كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى إبراز صورة معينة؟

في ظل غياب الشفافية الكاملة حول آليات اتخاذ القرار، يصبح من الصعب تقييم جدوى هذه الاستثمارات، خاصة عندما تتزامن مع تقليص الإنفاق في مجالات أخرى.

نمط متكرر: الإنفاق الاستعراضي في مواجهة الأزمات

الخطوة الحالية ليست معزولة، بل جزء من نمط أوسع. خلال السنوات الماضية، تم ضخ مليارات الدولارات في مشاريع ترفيهية ورياضية وإعلامية، كثير منها لم يحقق عوائد واضحة.

تقارير فايننشال تايمز ووول ستريت جورنال أشارت إلى خسائر في مشاريع مثل “ليف غولف”، وتأجيل أو إلغاء مشاريع أخرى، ما يعكس أن هذا النهج لم يكن مستدامًا.

إطلاق صندوق للأزياء في هذا التوقيت يعزز من فكرة أن النظام لا يزال متمسكًا بنفس النموذج، رغم المؤشرات على فشله. بدل إعادة توجيه الموارد بشكل جذري، يتم الاستمرار في الإنفاق على مشاريع ذات طابع رمزي.

تناقض الرسائل: إصلاح اقتصادي أم إعادة تلميع؟

الخطاب الرسمي يركز على الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، لكن القرارات الأخيرة تعكس مسارًا مختلفًا. التناقض بين تقليص المشاريع الكبرى وتمويل مشاريع الأزياء يضعف من مصداقية هذا الخطاب.

الإصلاح الاقتصادي يتطلب استثمارات في قطاعات إنتاجية، وبنية تحتية، وتعليم، وليس فقط في مجالات ذات تأثير إعلامي. عندما يتم التركيز على الصورة بدل الجوهر، يصبح الإصلاح شكليًا.

هذا التناقض لا يمر دون ملاحظة من قبل المستثمرين الدوليين، الذين يبحثون عن استقرار في السياسات، واتساق في القرارات. غياب هذا الاتساق قد يؤثر على الثقة في السوق.

 “تقشف انتقائي” حين تُدار الأولويات بعكس المنطق

ما تكشفه هذه الخطوة ليس مجرد استثمار جديد، بل طريقة في إدارة الموارد، حيث يتم الجمع بين التقشف والإنفاق في الوقت نفسه، لكن بشكل غير متوازن. المشاريع الكبرى تُجمّد، بينما تستمر المشاريع الاستعراضية.

هذا النهج يعكس غياب رؤية واضحة للأولويات، حيث يتم اتخاذ القرارات وفق اعتبارات آنية، بدل استراتيجية طويلة المدى. النتيجة هي سياسة مالية متناقضة، يصعب التنبؤ بنتائجها.

الحقيقة التي تتضح أن الأزمة ليست في نقص الموارد، بل في كيفية استخدامها. في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال ليس عن حجم الإنفاق، بل عن اتجاهه، وما إذا كان يخدم الاقتصاد فعليًا، أم مجرد واجهة تُخفي خلفها تحديات أعمق.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية