البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“مقصلة بلا توقف”نظام بن سلمان يضاعف الإعدامات ويحوّل الوعود بالإصلاح إلى خطاب فارغ

“مقصلة بلا توقف”نظام بن سلمان يضاعف الإعدامات ويحوّل الوعود بالإصلاح إلى خطاب فارغ

بن سلمان
بن سلمان

تصاعدٌ لا يمكن تجاهله، وأرقام تكشف مسارًا معاكسًا لكل ما تم الترويج له عن “الإصلاح” و”التحديث”. منذ عام 2015، ومع وصول الملك سلمان إلى الحكم ثم صعود محمد بن سلمان إلى مركز القرار، تحولت عقوبة الإعدام من إجراء يُفترض أنه استثنائي إلى أداة تُستخدم بوتيرة متسارعة وبنطاق أوسع، في مشهد يعكس تغيرًا بنيويًا في طبيعة النظام القضائي داخل المملكة.

الواقع الذي ترسمه البيانات الحقوقية لا يترك مجالًا للشك: أكثر من ألفي حالة إعدام خلال أقل من عقد، مع تسارع واضح في السنوات الأخيرة، يكشف أن ما يجري ليس مجرد تطبيق للقانون، بل سياسة قائمة بذاتها. هذا المسار لا يتعارض فقط مع المعايير الدولية، بل يتناقض أيضًا مع التصريحات الرسمية التي وعدت بتقليص استخدام هذه العقوبة.

تسارع غير مسبوق: من ألف حالة إلى ألفين في زمن قياسي

اللافت في تطور أعداد الإعدامات ليس الرقم الإجمالي فقط، بل وتيرة الارتفاع. الألف الأولى من الحالات استغرقت عدة سنوات، بينما تم الوصول إلى الألف الثانية في فترة أقصر بكثير، ما يعكس تسارعًا واضحًا في تنفيذ الأحكام.

هذا التسارع لا يمكن تفسيره بزيادة الجرائم، بل يعكس تغيرًا في السياسة العقابية نفسها. بدل أن تكون الإعدامات خيارًا محدودًا في الجرائم الأشد خطورة، أصبحت تُستخدم بشكل أوسع، ما يشير إلى تحول في فلسفة العقوبة.

التوقيت أيضًا يحمل دلالات سياسية، حيث تزامن هذا التصاعد مع تركيز السلطة في يد ولي العهد، ما يعزز من فرضية أن التوسع في الإعدامات مرتبط بإعادة تشكيل أدوات السيطرة، وليس فقط بتطبيق القانون.

وعود الإصلاح مقابل واقع الإعدام

في عام 2018، تم الإعلان عن توجه لتقليص استخدام عقوبة الإعدام، في إطار خطاب أوسع عن الإصلاح. لكن الأرقام التي تلت ذلك لم تعكس أي تراجع، بل أظهرت اتجاهًا معاكسًا تمامًا.

هذا التناقض بين الخطاب والواقع يضعف من مصداقية أي وعود رسمية. عندما يتم الإعلان عن إصلاحات، ثم تتصاعد الإجراءات التي يُفترض تقليصها، يصبح السؤال عن جدية هذه الإصلاحات مشروعًا.

الأخطر أن هذا التناقض لا يقتصر على الإعدامات، بل يظهر في ملفات أخرى، ما يشير إلى نمط عام يقوم على تقديم صورة إصلاحية للخارج، مقابل سياسات داخلية أكثر تشددًا.

الإعدام خارج إطار “أشد الجرائم خطورة

أحد أبرز التحولات يتمثل في توسيع نطاق الجرائم التي تُطبّق فيها عقوبة الإعدام. وفق المعايير الدولية، يُفترض أن تقتصر هذه العقوبة على الجرائم الأشد خطورة، مثل القتل العمد، لكن الواقع يشير إلى استخدام أوسع.

نسبة كبيرة من الإعدامات لا ترتبط بجرائم قتل، بل بقضايا تعزيرية أو جنائية أخرى، ما يعكس تغييرًا في تعريف “الجريمة التي تستوجب الإعدام”. هذا التوسع يفتح الباب أمام استخدام العقوبة في سياقات لا تتناسب مع شدتها.

هذا التحول يجعل من الإعدام أداة أكثر مرونة في يد السلطة، يمكن استخدامها في نطاق أوسع، بدل أن تكون إجراءً محدودًا بضوابط صارمة.

قضايا المخدرات: من تعليق إلى تصعيد

الملف الأكثر وضوحًا في هذا التوسع هو قضايا المخدرات. بعد إعلان سابق عن تعليق تنفيذ الإعدام في هذه القضايا، عاد التطبيق بشكل واسع، مع ارتفاع ملحوظ في النسبة خلال السنوات الأخيرة.

هذا التراجع عن الالتزامات المعلنة يعكس غياب استمرارية في السياسات، حيث يتم اتخاذ قرارات، ثم التراجع عنها دون تفسير واضح. النتيجة هي بيئة قانونية غير مستقرة، حيث لا يمكن التنبؤ بتوجهات النظام.

ارتفاع نسبة الإعدامات في هذا النوع من القضايا يشير إلى أن العقوبة لم تعد مرتبطة فقط بالردع، بل أصبحت جزءًا من سياسة أوسع.

القاصرون والنساء: حدود تتلاشى

واحدة من أكثر النقاط إثارة للقلق تتعلق بتنفيذ أحكام الإعدام بحق أشخاص كانوا دون سن الثامنة عشرة عند وقوع الجرائم المنسوبة إليهم. رغم وجود قوانين محلية تشير إلى تخفيف العقوبة في هذه الحالات، استمرت الإعدامات، ما يكشف فجوة بين النص والتطبيق.

الحالات المسجلة تشير إلى أن هذا ليس استثناءً، بل نمط متكرر، حيث يتم تجاهل الضوابط القانونية في بعض القضايا. هذا الواقع يضع النظام في مواجهة مباشرة مع التزاماته الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، ظهرت حالات إعدام لنساء في ظروف معقدة، بعضها مرتبط بالعنف أو الاستغلال، ما يثير تساؤلات حول طبيعة التحقيقات والإجراءات القضائية.

الأجانب في دائرة الخطر: عدالة غير متكافئة

الأرقام تشير إلى تمثيل مرتفع للأجانب بين من نُفذت بحقهم أحكام الإعدام. هذا التفاوت يعكس اختلالًا في النظام القضائي، حيث تواجه هذه الفئة تحديات إضافية، مثل ضعف التمثيل القانوني أو صعوبات اللغة.

هذه العوامل تجعل من الصعب ضمان محاكمة عادلة، خاصة في قضايا تتعلق بعقوبات قصوى. النتيجة هي بيئة قضائية غير متكافئة، حيث تكون بعض الفئات أكثر عرضة للعقوبة.

بعض القضايا تشير إلى وجود بعد سياسي، حيث ترتبط الأحكام بنشاطات تتعلق بالتعبير أو المعارضة. هذا الاستخدام يوسع من دور القضاء، ليشمل ليس فقط الجرائم الجنائية، بل أيضًا إدارة المجال العام.

في هذا السياق، تتحول العقوبة إلى رسالة، تتجاوز الفرد إلى المجتمع، حيث يتم استخدامها لردع أي نشاط خارج الإطار الرسمي.

التقارير الحقوقية تشير إلى أن بعض الإعدامات لم يتم الإعلان عنها رسميًا، ما يثير تساؤلات حول دقة الأرقام. غياب الشفافية في هذا الملف يجعل من الصعب تقييم الحجم الحقيقي للظاهرة.

هذا الغموض يعزز من المخاوف، لأنه يعني أن ما يتم توثيقه قد لا يعكس الصورة الكاملة. في ظل غياب معلومات دقيقة، يصبح النقاش حول السياسات أكثر تعقيدًا.

 “الإصلاح المعلن والقمع المتصاعد”مسار لا يمكن إخفاؤه

ما تكشفه هذه المعطيات ليس مجرد زيادة في عدد الإعدامات، بل تحول في طبيعة النظام نفسه، حيث يتم استخدام العقوبة بشكل أوسع وأسرع، في تناقض واضح مع الخطاب الرسمي.

الفجوة بين الوعود والممارسة لم تعد قابلة للتجاهل، لأنها تظهر في الأرقام، وفي الحالات، وفي المسار العام. هذا التناقض يضعف من أي محاولة لتقديم صورة إصلاحية، لأنه يكشف واقعًا مختلفًا. الحقيقة التي تتضح أن عقوبة الإعدام لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من سياسة مستمرة، تُستخدم في سياقات متعددة، وتؤثر على فئات مختلفة. في ظل هذا المسار، يصبح السؤال ليس عن عدد الحالات، بل عن الاتجاه العام، الذي يشير بوضوح إلى تصاعد لا يمكن إنكاره، ونموذج قضائي يبتعد أكثر عن المعايير الدولية

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية