البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“رؤية 2030 تتراجع إلى الخلف” عقد من الوعود ينتهي بمراجعة قسرية وأزمة ثقة في اقتصاد بن سلمان

“رؤية 2030 تتراجع إلى الخلف” عقد من الوعود ينتهي بمراجعة قسرية وأزمة ثقة في اقتصاد بن سلمان

بن سلمان
بن سلمان

بعد مرور ما يقارب عقدًا كاملًا على إطلاق “رؤية 2030”، لم تعد الرواية الرسمية قادرة على إخفاء حقيقة أكثر قسوة: المشروع الذي قُدّم كتحول تاريخي لفك ارتباط الاقتصاد بالنفط، يعود اليوم إلى نقطة البداية، تحت ضغط العجز المالي وتقلبات الطاقة والتخبط في إدارة الموارد. ما يُسمى اليوم “مراجعة استراتيجية” ليس سوى اعتراف متأخر بأن الطموحات التي تم الترويج لها تجاوزت بكثير القدرة الفعلية على التنفيذ.

التقرير الذي نشرته نيويورك تايمز في عام 2026 يعكس هذا التحول بوضوح، حيث يشير إلى انتقال النظام من مرحلة “المشاريع الكبرى” إلى مرحلة “الانتقائية القسرية”، بعد أن اصطدمت الخطط بالواقع المالي. هذا التحول لا يمكن تفسيره كنضج اقتصادي، بل كتصحيح اضطراري بعد سنوات من الإنفاق غير المدروس.

النفط يحكم من جديد الوعد الذي لم يتحقق

أحد أهم أهداف رؤية 2030 كان تقليل الاعتماد على النفط، لكن بعد عشر سنوات، يتضح أن هذا الهدف لم يتحقق. الاقتصاد لا يزال رهينة أسعار الطاقة، والإنفاق الحكومي يتحدد بناءً على الإيرادات النفطية، كما كان الحال قبل إطلاق الرؤية.

خلال طفرة الأسعار في 2021 و2022، تدفقت الأموال، واندفع النظام لإطلاق مشاريع ضخمة، من مدن خيالية إلى استثمارات ترفيهية ورياضية. لكن مع تراجع الأسعار، ظهرت الحقيقة: هذه المشاريع لم تكن قائمة على أساس اقتصادي مستدام، بل على وفرة مؤقتة.

هذا النمط يعكس فشلًا في تحقيق التحول الهيكلي، حيث لم يتم بناء اقتصاد مستقل، بل تم تأجيل المشكلة إلى حين تراجع الأسعار، وهو ما حدث بالفعل.

مشاريع عملاقة تتحول إلى عبء

المراجعة الحالية شملت مشاريع كانت تُقدَّم كرموز للمستقبل، مثل “تروجينا” و”المكعب” ومبادرات رياضية كبرى. تأجيل هذه المشاريع أو تقليصها يكشف أن التكلفة تجاوزت القدرة التمويلية، وأن العوائد المتوقعة لم تكن واقعية.

تقارير متعددة، منها ما نشرته وول ستريت جورنال، أشارت إلى أن بعض المشاريع، مثل “نيوم”، تحولت إلى مواقع إنشائية متعثرة، دون وضوح بشأن الجدوى الاقتصادية. هذه المشاريع لم تحقق ما وُعد به، بل خلقت التزامات مالية طويلة الأجل.

الأخطر أن هذه المشاريع لم تكن مجرد استثمارات، بل ارتبطت بقرارات سياسية واجتماعية، مثل تهجير السكان، ما يجعل التراجع عنها أكثر تعقيدًا.

صندوق الاستثمارات من التوسع إلى التراجع

إعلان محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، عن استراتيجية جديدة تركز على “الكفاءة” يعكس ضغطًا ماليًا واضحًا. الصندوق، الذي يُفترض أنه محرك الاقتصاد، يجد نفسه مضطرًا لتقليص الإنفاق وإعادة تقييم المشاريع.

لكن هذا التراجع لا يعني تغييرًا جذريًا، بل محاولة لإدارة الأزمة. في الوقت الذي يتم فيه تقليص بعض المشاريع، يستمر الاستثمار في مجالات أخرى، مثل الذكاء الاصطناعي وألعاب الفيديو، بل والتخطيط لصفقات ضخمة تصل إلى عشرات المليارات.

هذا التناقض يعكس غياب رؤية موحدة، حيث يتم الجمع بين التقشف والتوسع في آن واحد، دون وضوح في الأولويات.

العجز المستمر أزمة لا تُعلن

بيانات وزارة المالية تشير إلى أن الميزانية سجلت عجزًا في معظم السنوات خلال العقد الماضي، مع توقع استمرار هذا الاتجاه. هذا العجز يعكس أن الإيرادات غير النفطية لم تكن كافية لتعويض التقلبات.

محاولات تنويع الإيرادات عبر الضرائب والرسوم لم تحقق التوازن المطلوب، ما يجعل الاقتصاد عرضة لأي تغير في أسعار النفط. هذا الواقع يضعف من قدرة النظام على التخطيط طويل الأجل، لأن الموارد غير مستقرة.

الحرب تكشف الهشاشة

التوترات الإقليمية، خاصة الحرب مع إيران، لعبت دورًا في تعميق الأزمة، لكنها لم تكن السبب الأساسي. هذه الحرب كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي، حيث أدت إلى زيادة النفقات الدفاعية وتعطيل بعض صادرات النفط.

هذا التأثير أظهر أن الاقتصاد لم يكن مستعدًا للتعامل مع الصدمات، وأن الاعتماد على النفط لا يزال يمثل نقطة ضعف رئيسية.

تناقض مستمر: تقليص هنا وتوسع هناك

في الوقت الذي يتم فيه تأجيل مشاريع كبرى، يستمر النظام في الاستثمار في قطاعات مثل الألعاب الإلكترونية، بل والتخطيط لاستضافة فعاليات عالمية مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.

هذا التناقض يعكس أن القرارات لا تُتخذ وفق منطق اقتصادي بحت، بل وفق اعتبارات سياسية وإعلامية. المشاريع التي تخدم الصورة تستمر، حتى لو كانت مكلفة، بينما يتم تقليص مشاريع أخرى.

أحد أبرز الإشكاليات في هذه المرحلة هو غياب الشفافية. إعادة التقييم تُقدَّم كخطوة إيجابية، لكن دون توضيح حجم الخسائر أو المسؤوليات.

في ظل مركزية القرار، حيث تخضع معظم المشاريع لإشراف محدود، يصبح من الصعب تحديد من يتحمل مسؤولية الإنفاق الذي لم يحقق نتائجه. هذا الغموض يثير تساؤلات حول آليات المحاسبة.

 “نهاية الحلم الكبير”حين تتحول الرؤية إلى إدارة أزمة

ما يحدث اليوم ليس مجرد تعديل في الخطط، بل تحول من مشروع طموح إلى إدارة أزمة. رؤية 2030، التي قُدمت كخطة لتحويل الاقتصاد، تجد نفسها الآن في مرحلة دفاع، تحاول تقليل الخسائر بدل تحقيق الأهداف.

الواقع يكشف أن المشكلة لم تكن في الطموح، بل في غياب التخطيط الواقعي، والاعتماد على الإنفاق بدل البناء. ومع كل مشروع يتم تأجيله أو تقليصه، تتضح الفجوة بين ما وُعد به وما تحقق.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الاقتصاد السعودي، بعد عقد من “الإصلاحات”، لا يزال مرتبطًا بالنفط، وأن أي محاولة لفك هذا الارتباط لم تنجح حتى الآن. في هذا السياق، تصبح “المراجعة” ليست خيارًا، بل ضرورة، لكن بعد أن دُفعت كلفة عالية، مالية وسياسية، قد يستغرق تعويضها سنوات طويلة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية