لم يعد ما يحدث داخل “نيوم” مجرد مراجعات فنية أو إعادة ترتيب أولويات كما تحاول السلطات السعودية تسويقه، بل أصبح سلسلة متواصلة من الانسحابات والإلغاءات والتراجعات التي تكشف أن المشروع الذي قُدِّم للعالم باعتباره “مستقبل البشرية” بدأ يفقد أعمدته الأساسية واحدة تلو الأخرى. قرار إنهاء عقد خط الربط فائق السرعة بين “أوكساجون” و”ذا لاين” ليس تفصيلًا هندسيًا عابرًا، بل ضربة جديدة تكشف حجم الأزمة التي يعيشها المشروع الأضخم والأكثر تكلفة في تاريخ السعودية الحديث.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في إلغاء مشروع بنية تحتية ضخم بعد إنجاز 20% منه، بل في الرسالة التي يحملها القرار: حتى المشاريع التي كانت تُعتبر ضرورية لربط مكونات “نيوم” نفسها بدأت تسقط تحت ضغط التمويل والأولويات الجديدة. فعندما يتم إلغاء مشروع نقل استراتيجي كان يُفترض أن يربط بين أهم ركيزتين داخل المدينة المستقبلية، فهذا يعني أن الحديث لم يعد عن “تعديل خطط”، بل عن إعادة تفكيك المشروع من الداخل.
الأكثر فجاجة أن الإلغاء يأتي بعد إنهاء عقود أخرى للشركة نفسها، بينها مشاريع سدود، ما يعني أن الانسحاب لم يعد استثناءً بل تحول إلى نمط متكرر داخل نيوم. شركة “ويبيلد”، أكبر شركة إنشاءات إيطالية، خرجت فعليًا من المشروع بالكامل، تاركة خلفها مواقع غير مكتملة، وعقودًا أُلغيت، وعمالًا سيتم تسريحهم، بينما تتحمل نيوم تكاليف الإنهاء والتعويضات فوق مليارات الدولارات التي أُنفقت بالفعل.
“مدينة بلا شبكة حياة” كيف تحولت نيوم من مشروع مترابط إلى جزر معزولة؟
حين أُعلن عن نيوم، كان المشروع يُقدَّم باعتباره نموذجًا لمدينة مترابطة بالكامل، تعتمد على التنقل الذكي والربط الفائق السرعة بين مناطقها المختلفة. “ذا لاين”، “أوكساجون”، “تروجينا” وغيرها لم تكن مجرد مشاريع منفصلة، بل أجزاء من منظومة واحدة قيل إنها ستعيد تعريف الحياة الحضرية عالميًا.
لكن ما يحدث اليوم يكشف العكس تمامًا. فإلغاء خط الربط السريع يعني عمليًا أن البنية الأساسية التي كان يفترض أن توحّد هذه المشاريع بدأت تنهار قبل أن تولد أصلًا. كيف يمكن الحديث عن “مدينة مستقبلية” بينما يتم إلغاء مشاريع النقل التي يفترض أن تجعلها قابلة للحياة؟
هذا الانهيار التدريجي يعكس مشكلة أعمق داخل فلسفة نيوم نفسها: المشروع بُني على الخيال التسويقي أكثر مما بُني على التخطيط الواقعي. فكل جزء كان يُعلن عنه وكأنه مشروع مستقل خارق للعادة، دون وجود تصور مالي أو تشغيلي متماسك لكيفية ربط كل هذه العناصر ضمن منظومة قابلة للاستمرار.
والنتيجة أن السعودية تجد نفسها اليوم أمام هياكل ضخمة متفرقة، لكنها عاجزة عن استكمال البنية التي تجعلها مدينة حقيقية. فحتى بعد إنفاق عشرات المليارات، لا توجد شبكة تشغيل مكتملة، ولا سكان، ولا اقتصاد فعلي، بل مواقع بناء متعثرة ومشاريع تُلغى تباعًا.
الأخطر أن كل عملية إلغاء لا تعني فقط توقف مشروع، بل تعني أيضًا خسائر إضافية: تعويضات للشركات، تكاليف تسريح العمال، إغلاق مواقع، وإهدار مليارات صُرفت على أعمال لن تُستخدم أصلًا. وهكذا تتحول “إعادة التقييم” إلى ماكينة جديدة لحرق الأموال بدل إنقاذها.
“الإنفاق بلا سقف انتهى”الأزمة المالية تفرض واقعًا جديدًا على مشاريع بن سلمان
قرار إلغاء خط الربط السريع لا يمكن فصله عن الأزمة المالية المتصاعدة التي تواجهها السعودية حاليًا. فالمملكة التي أنفقت خلال سنوات الطفرة النفطية الأخيرة وكأن الموارد بلا حدود، بدأت الآن تدخل مرحلة الانكماش الإجباري تحت ضغط العجز المالي وتراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العسكري والمخاطر الإقليمية.
خلال السنوات الماضية، تصرف النظام السعودي بمنطق “التوسع أولًا والتفكير لاحقًا”. تم إطلاق مشاريع عملاقة في وقت واحد: مدن مستقبلية، بطولات رياضية، استثمارات ترفيهية، فعاليات عالمية، وصفقات دولية بمئات المليارات، بينما بقي النفط هو المصدر الحقيقي لتمويل كل هذا الجنون المالي.
لكن مع تراجع أسعار النفط وارتفاع التوترات في المنطقة، بدأت الحقيقة تظهر بوضوح: الدولة لا تستطيع تمويل كل هذه المشاريع في الوقت نفسه. ولذلك بدأ خطاب “الكفاءة” و”ترشيد الإنفاق” يحل محل خطاب “التحول التاريخي”.
إلغاء مشروع بهذا الحجم بعد تنفيذ خمس الأعمال تقريبًا يكشف أن الأزمة لم تعد نظرية. فالسلطات السعودية لم تعد تبحث عن “تحسين” المشاريع، بل عن تقليص الخسائر ومنع الانهيار المالي من التوسع أكثر.
حتى صندوق الاستثمارات العامة، الذي كان يُسوَّق باعتباره القوة المالية الخارقة التي ستقود التحول السعودي، بدأ يعيد حساباته تحت ضغط السيولة والديون والالتزامات المتراكمة. ولهذا لم يعد ممكنًا الاستمرار بنفس الوتيرة في تمويل مشاريع عملاقة لا تحقق عوائد حقيقية.
والمفارقة أن المشاريع التي كانت تُقدَّم للعالم باعتبارها “رموز المستقبل” أصبحت الآن أول ضحايا الأزمة. فحين تبدأ الدولة بإلغاء مشاريع البنية الأساسية داخل نيوم نفسها، فهذا يعني أن الأولوية لم تعد “بناء المستقبل”، بل محاولة السيطرة على النزيف المالي.
“من مدينة المستقبل إلى أطلال مكلفة”نيوم تكشف حدود السلطة التي تبني بالمال فقط
ما يجري اليوم داخل نيوم لم يعد مجرد تعثر هندسي أو مالي، بل انكشاف كامل لنموذج الحكم الذي حاول محمد بن سلمان فرضه خلال العقد الماضي: مشاريع ضخمة، إنفاق هائل، دعاية عالمية، وقرارات مركزية تُتخذ من أعلى دون رقابة أو شفافية أو نقاش حقيقي.
لكن المدن لا تُبنى بالشعارات، ولا تتحول الصحارى إلى مراكز عالمية بمجرد ضخ الأموال. ونيوم أصبحت المثال الأكثر وضوحًا على حدود هذا النموذج. فبعد عشرات المليارات، ما زال المشروع عاجزًا عن إنتاج مدينة حقيقية، بينما تتساقط مكوناته الأساسية الواحد تلو الآخر.
إنهاء عقود الشركات الكبرى، إلغاء مشاريع النقل، تقليص الخطط، وتأجيل أجزاء كاملة من المشروع يكشف أن “مدينة المستقبل” تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أكبر قصص الهدر المالي في العصر الحديث.
الأخطر أن هذه التراجعات لا تحدث في صمت داخلي فقط، بل أمام أنظار العالم كله. فكل شركة تنسحب، وكل مشروع يُلغى، وكل عقد يُنهى، يرسل رسالة جديدة للمستثمرين والأسواق بأن المشروع الذي وُصف يومًا بأنه “ثورة حضرية” يعاني أزمة بنيوية عميقة.
وفي النهاية، قد تستمر السلطات السعودية في إطلاق العناوين البراقة والتأكيد أن “نيوم مستمرة”، لكن الوقائع على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: المدينة التي كان يُفترض أن تغيّر العالم بدأت تفقد حتى قدرتها على ربط أجزائها ببعضها، بينما تتحول المليارات المدفونة في الصحراء إلى شاهد ضخم على حدود السلطة حين تحاول شراء المستقبل بالمال وحده.





