البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“مليارات تُحرق في الحرب ومليارات تُنثر في هوليوود” كيف يغرق نظام بن سلمان بين خسائر إيران ووهم نيوم واستثمارات بلا سيطرة

“مليارات تُحرق في الحرب ومليارات تُنثر في هوليوود” كيف يغرق نظام بن سلمان بين خسائر إيران ووهم نيوم واستثمارات بلا سيطرة

بن سلمان
بن سلمان

أرقام صادمة تتكدّس فوق بعضها، ومشاهد ميدانية تعكس واقعًا مختلفًا تمامًا عن الدعاية الرسمية. أكثر من 10 مليارات دولار خسائر مباشرة بسبب الحرب على إيران، وفق ما نقلته وول ستريت جورنال، في وقت يوافق فيه صندوق الاستثمارات العامة على ضخ قرابة 10 مليارات دولار في صفقة ترفيهية أمريكية لا يملك فيها حتى حق التصويت. هذه المفارقة وحدها تكفي لكشف طبيعة الإدارة الاقتصادية داخل نظام محمد بن سلمان: خسائر استراتيجية تُدار بالصمت، واستثمارات ضخمة تُدار بلا سيادة، بينما تتآكل المشاريع التي يفترض أنها تمثل “مستقبل البلاد” أمام أعين العالم.

التقرير الذي نشرته وول ستريت جورنال خلال مارس 2026 يقدّم صورة شديدة القتامة، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع أزمة تمويل متصاعدة، ومع فشل واضح في جذب الاستثمارات الأجنبية، ومع مشاهد ميدانية لمشاريع عملاقة تتحول تدريجيًا إلى مساحات مهجورة. هذه ليست أزمة عابرة، بل لحظة تكشف اختلالًا عميقًا في نموذج اقتصادي يقوم على الإنفاق الضخم دون عوائد حقيقية، وعلى قرارات استثمارية لا تعكس أولويات داخلية بقدر ما تعكس سعيًا لشراء النفوذ الخارجي.

خسائر الحرب تكشف هشاشة النموذج الاقتصادي

الرقم الذي أوردته وول ستريت جورنال—أكثر من 10 مليارات دولار من الإيرادات المفقودة والنفقات بسبب الحرب على إيران—لا يمثل مجرد خسارة مالية، بل مؤشرًا على مدى هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يعتمد عليه النظام. هذه الخسائر تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضغوط متزايدة، ما يجعل أي تصعيد إقليمي عاملًا مضاعفًا للأزمة.

الصحيفة أشارت إلى أن هذه التكاليف تشمل فقدان إيرادات مباشرة، إضافة إلى نفقات إضافية مرتبطة بالتعامل مع تداعيات الحرب. هذا الوضع يتقاطع مع تحذيرات سابقة، حيث أشار تقرير لصندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025 إلى أن الاقتصادات الخليجية ستواجه ضغوطًا مالية متزايدة في حال تصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما يبدو أنه تحقق بالفعل.

الأخطر أن هذه الخسائر تأتي في وقت ترتفع فيه الديون بشكل غير مسبوق. التقرير نفسه أوضح أن ديون النظام السعودي وصلت إلى نحو 400 مليار دولار، أي ما يعادل 32% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ12% فقط قبل عقد من الزمن. هذا الارتفاع الحاد يعكس تسارعًا في الاقتراض لتمويل مشاريع وإنفاق لا يبدو أنه يحقق العوائد الموعودة.

استثمارات بلا سيطرة: مليارات تُضخ في الخارج بلا نفوذ

في الوقت الذي تتآكل فيه الإيرادات بسبب الحرب، يواصل صندوق الاستثمارات العامة ضخ مليارات الدولارات في الخارج. تقرير نقلته رويترز عن وول ستريت جورنال في مارس 2026 كشف أن الصندوق وافق على المساهمة بنحو 10 مليارات دولار ضمن صفقة استحواذ تقودها “باراماونت سكاي دانس” على “وارنر براذرز ديسكفري”، ضمن تمويل إجمالي يبلغ 24 مليار دولار من صناديق خليجية.

الصفقة، التي تُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو 110 مليارات دولار، تحمل تفصيلًا يكشف حجم التنازل: المستثمرون الخليجيون، وعلى رأسهم الصندوق السعودي، لن يتمتعوا بحقوق تصويت في الكيان الجديد. هذا يعني أن المليارات تُضخ دون أي قدرة على التأثير في القرار.

هذا النوع من الاستثمارات يعكس نمطًا متكررًا، حيث يتم توجيه الأموال نحو مشاريع خارجية ذات طابع استعراضي، بدلًا من تعزيز الاقتصاد الداخلي أو دعم المشاريع المتعثرة. تقرير لبلومبرغ بتاريخ 15 نوفمبر 2023 أشار إلى أن الصندوق يعتمد بشكل متزايد على الاستثمارات الخارجية لتعويض ضعف العوائد المحلية، وهو ما يفسر استمرار هذا التوجه رغم الضغوط المالية.

نيوم تتحول إلى عبء: من “مدينة المستقبل” إلى مشهد مهجور

الصورة التي نقلتها وول ستريت جورنال عن مشاريع نيوم تكشف واقعًا بعيدًا تمامًا عن الخطاب الرسمي. في مشروع “ذا لاين”، الذي تم الترويج له كأحد أعمدة “رؤية 2030”، تهب الرياح محملة بالرمال إلى خندق يمتد 75 ميلًا، كان من المفترض أن يستوعب قطارًا فائق السرعة. هذا المشهد ليس مجرد تفصيل بيئي، بل رمز لفشل التخطيط والتنفيذ.

الصحيفة نقلت أيضًا أن مخيمات العمال التي كانت تعج بالحركة تحولت إلى مدن أشباح، في إشارة واضحة إلى تباطؤ أو توقف الأعمال. في مشروع “سندالة”، تم التخلص من أكثر من 22 كيلوغرامًا من كافيار البيلوغا، في مشهد يعكس حجم الهدر، بينما تحول عشب ملعب الغولف إلى اللون البني تحت تأثير الرياح.

في “المربع الجديد”، حفر العمال حفرة ضخمة مخصصة لاحتواء “المكعب العملاق”، قبل أن يتم تأجيل المشروع بسبب توقف التمويل. هذه التفاصيل، التي تبدو متفرقة، ترسم صورة واحدة: مشاريع عملاقة تُطلق دون حساب دقيق، ثم تتعثر أمام أول اختبار مالي.

التقرير يعود أيضًا إلى مشهد سابق، حيث نقل عن موظفين سابقين في نيوم أن نماذج معمارية تُكلّف ملايين الدولارات كانت تُنصب داخل خيمة عدة مرات في السنة ليختار منها محمد بن سلمان التصاميم المفضلة. هذا الأسلوب في اتخاذ القرار يكشف أن المشاريع لا تُدار وفق دراسات جدوى دقيقة، بل وفق ذوق فردي، ما يفسر حجم الهدر والتخبط.

عجز متزايد واستثمار أجنبي متراجع

أحد أبرز مؤشرات الأزمة يتمثل في تراجع الاستثمار الأجنبي، الذي لم يتجاوز 35.5 مليار دولار في عام 2025، وفق الأرقام الرسمية التي نقلتها وول ستريت جورنال. هذا الرقم بعيد جدًا عن هدف 100 مليار دولار سنويًا بحلول 2030، وهو ما يكشف فجوة كبيرة بين الطموحات والواقع.

الصحيفة أشارت أيضًا إلى أن المسؤولين يخشون من أن تؤدي الحرب إلى مزيد من عدم اليقين، خاصة في حال سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو ما قد يثني المستثمرين عن ضخ أموالهم. هذا القلق يعكس اعتمادًا كبيرًا على عوامل خارجية، بدل بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات.

في محاولة للتعامل مع هذه الضغوط، لجأ الصندوق إلى تقليص الإنفاق والتوظيف، وبيع جزء من محفظته في الأسهم الأمريكية حتى قبل اندلاع الحرب. في ديسمبر 2025، ناشد الصندوق العائلات الثرية ومديري الصناديق المحلية ضخ أموال إضافية في المشاريع، في خطوة تعكس صعوبة تأمين التمويل.

التقشف لم يقتصر على الصندوق، بل امتد إلى الدوائر الحكومية، حيث طُلب منها ترشيد الإنفاق، وتقليل السفر، واختيار فنادق أقل تكلفة. هذه الإجراءات، رغم بساطتها، تعكس ضغوطًا مالية حقيقية، تتناقض مع الصورة التي يتم الترويج لها.

اقتصاد الوهم” عندما تتحول المليارات إلى عبء بلا عائد

المشهد الذي ترسمه هذه التقارير ليس مجرد أزمة مالية، بل انهيار تدريجي لنموذج كامل. خسائر حرب تتجاوز 10 مليارات دولار، ديون تقترب من 400 مليار، استثمارات خارجية بلا نفوذ، ومشاريع داخلية تتحول إلى مواقع مهجورة. هذه العناصر مجتمعة تكشف أن ما يُقدَّم كـ“رؤية اقتصادية” ليس سوى منظومة إنفاق بلا استراتيجية واضحة.

المفارقة الأكثر وضوحًا أن النظام، بدل إعادة تقييم هذا المسار، يواصل نفس السياسات: ضخ مليارات في الخارج، وتأجيل المشاريع في الداخل، وفرض تقشف محدود لا يمس جوهر الأزمة. هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر دون تكلفة أكبر. الحقيقة التي تتكشف مع كل تقرير جديد أن الاقتصاد لم يعد محركًا للتنمية، بل أصبح عبئًا يُدار بالاقتراض والإنفاق، دون عوائد تبرر هذا الحجم من المخاطر. في هذا السياق، لم تعد المشكلة في مشروع متعثر أو استثمار خاسر، بل في نموذج كامل يقترب من نقطة الانكشاف، حيث تصبح الأرقام نفسها شاهدًا على فشل لا يمكن إخفاؤه

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية