البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“إعدام الطفولة باسم الإرهاب” نظام بن سلمان يوسّع المقصلة ويكسر التزاماته الدولية علنًا

“إعدام الطفولة باسم الإرهاب” نظام بن سلمان يوسّع المقصلة ويكسر التزاماته الدولية علنًا

بن سلمان
بن سلمان

قرار الإعدام الذي نُفّذ في 9 أبريل 2026 بحق علي السبيتي، إلى جانب عمه مصطفى السبيتي، لا يمكن قراءته كحكم قضائي عادي، بل كحلقة جديدة في سلسلة متصاعدة من استخدام عقوبة الإعدام كأداة سياسية، تتجاوز القانون وتضرب عرض الحائط بالالتزامات الدولية. القضية لا تتعلق فقط بشخصين، بل بنمط متكرر يكشف كيف تحوّلت منظومة العدالة في ظل نظام محمد بن سلمان إلى آلية لإنتاج أحكام قاسية، تستند إلى تهم فضفاضة وإجراءات تفتقر إلى أبسط معايير المحاكمة العادلة.

اللافت أن هذه الحالة تمثل ثالث واقعة موثقة خلال أقل من ثمانية أشهر يتم فيها تنفيذ حكم الإعدام بحق أشخاص على خلفية أفعال يُزعم ارتكابها خلال مرحلة الطفولة. هذا التكرار لا يمكن تفسيره كاستثناء، بل كسياسة ممنهجة، خاصة في ظل استمرار تجاهل واضح لاتفاقية حقوق الطفل التي تحظر بشكل قاطع إعدام من كانوا دون الثامنة عشرة عند وقوع التهم.

من احتجاج طفولي إلى حكم بالإعدام: توسيع خطير لمفهوم “الإرهاب

القضية تبدأ من عام 2011، حين كان علي السبيتي في سن الثانية عشرة، وُجهت إليه لاحقًا تهم تتعلق بالمشاركة في احتجاجات، وهي أنشطة لا يمكن بأي معيار قانوني دولي اعتبارها جرائم تستوجب عقوبة الإعدام. هذا التوسع في تعريف “الإرهاب” يمثل أحد أخطر ملامح هذه القضية، حيث يتم إدراج أفعال مرتبطة بحرية التعبير والتجمع ضمن إطار جرائم كبرى.

بحسب المعطيات، تم اعتقال علي السبيتي في 23 أكتوبر 2017، أي بعد ست سنوات من الأحداث المنسوبة إليه، في مداهمة وُصفت بأنها عنيفة، تخللتها عمليات تخريب للممتلكات. هذا الفاصل الزمني الطويل بين الحدث والاعتقال يثير تساؤلات حول دوافع القضية، خاصة في ظل غياب أي نشاط إجرامي مستمر.

النيابة العامة، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية في بيانها الصادر في 9 أبريل 2026، نسبت إلى المتهمين مجموعة من التهم تشمل الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، تصنيع متفجرات، وقتل رجال أمن. هذه التهم، رغم خطورتها، لم تُعرض في إطار محاكمة شفافة تسمح بالتحقق من الأدلة، وهو ما يضعف من مصداقيتها، خاصة في ظل التقارير الحقوقية التي تشير إلى انتزاع اعترافات تحت التعذيب.

محاكمات بلا ضمانات: القضاء كغطاء للإجراءات الأمنية

المحاكمة التي خضع لها علي السبيتي جرت أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي جهة قضائية تُستخدم عادة للنظر في قضايا “الإرهاب”، لكنها تعرضت لانتقادات متكررة من منظمات حقوقية بسبب افتقارها إلى الاستقلالية والشفافية.

الحكم صدر في 30 أكتوبر 2022، بعد سنوات من الاحتجاز، في إجراءات وصفها حقوقيون بأنها لا تستوفي الحد الأدنى من معايير العدالة. غياب الوصول الحر إلى محامٍ، والحرمان من التواصل مع الأسرة، والاعتماد على اعترافات يُشتبه في انتزاعها تحت التعذيب، كلها عناصر تقوض شرعية الحكم.

تقرير للأمم المتحدة، عبر فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي في 17 سبتمبر 2021، أشار إلى أن بعض المحاكمات في السعودية تعتمد على اعترافات قسرية، وهو ما ينطبق بشكل واضح على هذه الحالة. هذا النمط يحوّل القضاء من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لإضفاء طابع قانوني على قرارات سياسية.

التعذيب كأداة تحقيق: انتزاع الاعتراف بدل إثبات الجريمة

التفاصيل المرتبطة بفترة الاحتجاز تكشف جانبًا أكثر قتامة. علي السبيتي، بحسب المعلومات المتاحة، تعرض للحبس الانفرادي لفترات طويلة، إلى جانب مزاعم بالتعذيب والحرمان من النوم، وهي أساليب تهدف إلى كسر الإرادة وانتزاع اعترافات.

هذه الممارسات ليست جديدة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في 4 مارس 2020 تعرض معتقلين في السعودية للتعذيب الجسدي والنفسي خلال التحقيقات. هذا التكرار يعزز من فرضية أن الاعترافات المستخدمة في هذه القضايا لا تعكس بالضرورة حقيقة الوقائع، بل نتيجة ضغط منهجي.

في هذا السياق، يصبح الحكم بالإعدام مبنيًا على أساس هش، حيث يتم الاعتماد على روايات تم انتزاعها تحت الإكراه، بدل أدلة مستقلة يمكن التحقق منها.

تناقض صارخ مع الالتزامات الدولية

تنفيذ حكم الإعدام بحق شخص ارتكب الأفعال المنسوبة إليه وهو قاصر يمثل انتهاكًا مباشرًا لاتفاقية حقوق الطفل، التي تُعد السعودية طرفًا فيها. هذه الاتفاقية تحظر بشكل قاطع إعدام من كانوا دون الثامنة عشرة عند وقوع الجريمة.

في عام 2020، أعلنت السلطات السعودية عن إصلاحات تهدف إلى الحد من إعدام القاصرين، لكن هذه الإصلاحات تضمنت استثناءات واسعة، خاصة في القضايا المصنفة ضمن “الإرهاب”، ما أبقى الباب مفتوحًا لاستمرار هذه الممارسة.

هذا التناقض بين الإعلان والتطبيق يظهر بوضوح في هذه القضية. هيئة حقوق الإنسان السعودية كانت قد أكدت في تصريحات سابقة عدم تنفيذ أحكام إعدام بحق قاصرين، لكن الوقائع على الأرض، بما في ذلك إعدام علي السبيتي، تكشف أن هذه التصريحات لا تنعكس في الواقع.

نمط متكرر وتصعيد مستمر

القضية لا تقف عند هذا الحد، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التصعيد. منتدى البحرين لحقوق الإنسان، في بيان صدر في 9 أبريل 2026، وصف هذه الإعدامات بأنها “تصعيد خطير” يعكس استمرار استخدام عقوبة الإعدام كوسيلة للقمع السياسي.

المخاوف لا تقتصر على الحالات المنفذة، بل تمتد إلى معتقلين آخرين يواجهون خطر الإعدام، مثل يوسف المناسف وعلي المبيوق وجواد قريريص وحسن الفرج، بعد تثبيت الأحكام بحقهم. هذا الوضع يشير إلى أن ما حدث ليس نهاية، بل جزء من مسار مستمر.

التكرار في هذه الحالات يعزز من فكرة أن الإعدام لم يعد مجرد عقوبة جنائية، بل أداة تُستخدم في سياق سياسي أوسع، حيث يتم توجيه رسالة ردع تتجاوز الأفراد إلى المجتمع.

 “عدالة المقصلة” حين يُعدم القاصر وتُدفن الحقيقة

ما حدث في 9 أبريل 2026 لا يمكن اختزاله في تنفيذ حكم قضائي، بل يمثل لحظة كاشفة لطبيعة منظومة تعمل خارج إطار القانون الدولي، حيث يتم توسيع تعريف الجرائم، وتقييد الحقوق، واستخدام القضاء كغطاء لإجراءات أمنية.

إعدام علي السبيتي، الذي وُجهت إليه تهم تعود إلى مرحلة الطفولة، يكشف أن الخطوط الحمراء لم تعد موجودة، وأن الالتزامات الدولية أصبحت مجرد نصوص بلا أثر. هذا الواقع لا يهدد فقط حقوق الأفراد، بل يقوض مفهوم العدالة نفسه.

الحقيقة التي تفرض نفسها أن ما يجري ليس تطبيقًا للقانون، بل إعادة تعريف له وفق متطلبات سياسية، حيث تتحول المحاكم إلى أدوات، والأحكام إلى رسائل، والضحايا إلى أرقام في سجل يتسع مع كل قضية جديدة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية