البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“سندالة الجزيرة التي ابتلعها الوهم” من واجهة فاخرة لنيوم إلى مدينة أشباح في قلب البحر الأحمر

“سندالة الجزيرة التي ابتلعها الوهم” من واجهة فاخرة لنيوم إلى مدينة أشباح في قلب البحر الأحمر

نيوم
نيوم

حين ظهر محمد بن سلمان على جزيرة سندالة في مقابلة فوكس نيوز عام 2023، كانت الجزيرة تُقدَّم باعتبارها النموذج الأول لنجاح مشروع نيوم، والبوابة التي ستعلن ولادة “السعودية الجديدة” أمام العالم. وقتها، تحدث ولي العهد بثقة هائلة عن عشرات الجزر التي ستُطوَّر خلال سنوات قليلة، وعن مشروع سيحوّل البحر الأحمر إلى مركز عالمي للسياحة الفاخرة ينافس أهم الوجهات الدولية.

لكن بعد أقل من ثلاث سنوات، تبدو الصورة وكأنها مأخوذة من عالم موازٍ. المقارنات الحديثة لصور الأقمار الصناعية تكشف مشهدًا صادمًا: الجزيرة التي استُخدمت كرمز للحداثة والازدهار أصبحت أقرب إلى موقع مهجور تغطيه الرمال والآثار غير المكتملة، في انعكاس مرعب للفجوة بين الدعاية والواقع داخل مشروع نيوم كله.

المشهد يبدو فعلًا وكأن الزمن يسير بالعكس. ففي 2023 ظهرت سندالة نابضة بالحركة والبناء والتجهيزات الضخمة استعدادًا لافتتاح تاريخي أرادت السعودية أن تجعله إعلانًا عالميًا عن “المستقبل”. أما اليوم، فالصور الجديدة توحي بأن الجزيرة تراجعت بدل أن تتقدم، وكأن المشروع فقد الحياة بعد انتهاء الحفل الإعلامي مباشرة.

الأخطر أن التقارير تؤكد أن الجزيرة، رغم الإعلان الرسمي عن افتتاحها قبل عام كامل، لم تتحول إلى وجهة سياحية فعلية، ولم تستقبل النشاط الذي وُعد به الناس والمستثمرون. وهذا يعني أن المشروع الذي صُرف عليه مليارات الدولارات لم يتحول إلى اقتصاد حي، بل إلى واجهة دعائية انتهى دورها بمجرد انتهاء الكاميرات.

نيوم تبني الصورة لا الواقع” كيف تحولت المشاريع إلى عروض إعلامية مؤقتة؟

قصة سندالة تكشف جوهر الأزمة داخل نيوم كلها. فالمشروع منذ بدايته اعتمد على صناعة الانبهار البصري والإعلامي أكثر من اعتماده على بناء مدن قابلة للحياة والاستمرار.

كل شيء داخل نيوم كان يُقدَّم بلغة ضخمة: أكبر، أذكى، أفخم، الأكثر تطورًا. لكن خلف هذه العناوين، كانت هناك مشكلة أساسية: غياب النموذج الواقعي القادر على تحويل هذه المشاريع إلى منظومات اقتصادية وتشغيلية مستقرة.

جزيرة سندالة كانت مثالًا واضحًا على هذه العقلية. فبدل تطوير وجهة سياحية تدريجية وقابلة للنمو الطبيعي، جرى ضخ استثمارات هائلة لإنشاء “صورة مثالية” تُستخدم سياسيًا وإعلاميًا لإقناع العالم بأن مشروع نيوم يتحقق بالفعل.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن يتحول الافتتاح نفسه إلى حدث استعراضي ضخم، بينما بقي السؤال الحقيقي غائبًا: أين السياح؟ أين الاقتصاد الحقيقي؟ أين الحياة المستدامة داخل الجزيرة؟

الحقيقة التي بدأت تتكشف أن كثيرًا من مشاريع نيوم صُممت لتبدو ناجحة أمام الكاميرات أولًا، وليس لتعمل فعليًا على الأرض. ولذلك ما إن انتهت لحظة الدعاية حتى بدأت المشاكل بالظهور: تكاليف هائلة، عيوب تصميم، بطء في التنفيذ، ومشاريع تُترك شبه فارغة بعد الضجيج الإعلامي.

حتى التقارير التي تحدثت عن غضب محمد بن سلمان من “الإفراط في الإنفاق” واستخدام مواد فاخرة باهظة مثل جلد التمساح النادر تكشف حجم العبث الذي حكم بعض القرارات داخل المشروع. ففي الوقت الذي تواجه فيه السعودية ضغوطًا مالية متزايدة، كانت أجزاء من نيوم تُدار بعقلية “الفخامة المطلقة” دون أي اعتبار حقيقي للكلفة أو الجدوى.

والنتيجة أن المشروع الذي كان يفترض أن يكون رمزًا للكفاءة والابتكار بدأ يتحول إلى رمز للهدر والتضخم والاستعراض الفارغ.

من جزر الأحلام إلى أطلال البحر الأحمر” حين تصطدم الطموحات بالواقع المالي

الأزمة التي تضرب سندالة اليوم ليست معزولة عن الانهيار التدريجي الذي يطاول أجزاء واسعة من نيوم ومشاريع رؤية 2030 عمومًا.

خلال سنوات الطفرة النفطية، تصرفت الدولة وكأن الموارد لا تنتهي. تم إطلاق عشرات المشاريع العملاقة في وقت واحد، من المدن المستقبلية إلى الجزر السياحية والبطولات الرياضية والمنتجعات الفاخرة. لكن مع تراجع أسعار النفط واتساع العجز المالي وارتفاع المخاطر الإقليمية، بدأت الحقيقة تظهر بقسوة: السعودية لا تستطيع تمويل كل هذه الأحلام في الوقت نفسه.

ولهذا لم تعد مشاريع نيوم تتوسع كما وُعد بها، بل بدأت تنكمش وتُراجع وتُلغى أجزاء منها بصورة متسارعة. سندالة نفسها كانت جزءًا من وعود هائلة حول تطوير عشرات الجزر في البحر الأحمر خلال فترة قصيرة، لكن الواقع اليوم يكشف أن حتى الجزيرة الأولى لم تتحول إلى نجاح حقيقي.

المشكلة أن هذه المشاريع لم تكن مجرد استثمارات اقتصادية، بل رُبطت بصورة محمد بن سلمان الشخصية وبفكرة “السعودية الجديدة”. ولذلك أصبح أي تعثر فيها يتحول تلقائيًا إلى ضربة سياسية ورمزية للمشروع كله.

كما أن تراجع النشاط داخل سندالة يكشف أزمة أعمق تتعلق بالطلب الحقيقي. فبناء جزر فاخرة ومنتجعات باهظة لا يعني تلقائيًا وجود سوق قادر على ملئها بالحياة. السياحة العالمية لا تُبنى بالشعارات، بل بالاستقرار، والبنية التشغيلية، والجدوى الاقتصادية، والقدرة على جذب تدفق مستمر من الزوار.

لكن نيوم حاولت القفز فوق كل هذه المراحل، عبر بناء مشاريع فائقة الضخامة دفعة واحدة، وكأن المال وحده قادر على خلق مدن ووجهات عالمية من الصفر.

واليوم، تظهر سندالة كواحدة من أوضح نتائج هذا التفكير: جزيرة أُنفقت عليها أموال هائلة، استُخدمت في الدعاية العالمية، ثم بدأت تتآكل صورتها بسرعة بمجرد أن اختفت الكاميرات وتراجع الزخم الإعلامي.

سندالة ليست جزيرة فاشلة فقط  بل مرآة لفشل النموذج كله

ما تكشفه صور سندالة الجديدة أخطر بكثير من مجرد تعثر مشروع سياحي. إنها تكشف طبيعة النموذج الذي بُنيت عليه رؤية 2030 نفسها: طموحات هائلة، إنفاق مفتوح، دعاية عالمية ضخمة، لكن دون جذور اقتصادية وتشغيلية صلبة قادرة على تحويل الأحلام إلى واقع دائم.

الجزيرة التي كان يفترض أن تكون بوابة المستقبل تحولت إلى رمز للفجوة بين الصورة والحقيقة. فبدل أن تصبح مركزًا عالميًا نابضًا بالحياة، تبدو اليوم كأنها مشروع فقد روحه قبل أن يبدأ فعليًا.

والأخطر أن قصة سندالة قد تكون مجرد بداية. لأن المشكلات نفسها تتكرر في أجزاء أخرى من نيوم: مشاريع تُصغَّر، عقود تُلغى، شركات تنسحب، وخطط تُراجع تحت ضغط التمويل والعجز المالي.

وفي النهاية، قد تستمر السعودية في إطلاق العروض الترويجية والحديث عن “المستقبل”، لكن صور الأقمار الصناعية تقول شيئًا آخر تمامًا: أن بعض أكثر المشاريع طموحًا في العالم بدأت تتحول تدريجيًا إلى هياكل صامتة وسط الصحراء والبحر، وأن “نيوم” التي قُدمت كمدينة الغد، قد تصبح في النهاية أكبر شاهد على حدود السلطة حين تحاول بناء المستقبل عبر الدعاية والمال فقط، دون واقع قادر على حمل كل هذه الأوهام.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية