لم يعد السؤال اليوم كم ستنفق السعودية على مشروع نيوم، بل كم ستدفع للخروج من المشاريع التي لم تستطع إكمالها. فالتقديرات التي تتحدث عن تخصيص نحو 60 مليار ريال خلال السنوات المقبلة لإنهاء عقود واتفاقيات مرتبطة بمشاريع أُلغيت أو جرى التخلي عنها تكشف أن الأزمة تجاوزت مرحلة التعثر، ودخلت مرحلة أكثر خطورة: مرحلة دفع ثمن الأخطاء السابقة.
المفارقة الصادمة أن المبلغ المخصص لإلغاء المشاريع لا لبنائها يعادل ميزانيات دول كاملة، ويكشف حجم الفجوة بين الوعود التي أُطلقت عند الإعلان عن نيوم وبين الواقع الذي بدأت تتكشف تفاصيله تدريجيًا. فالمشروع الذي قُدم للعالم باعتباره “مستقبل البشرية” و”النموذج الاقتصادي الجديد” يجد نفسه اليوم أمام فاتورة ضخمة لإلغاء أجزاء من خططه بدل تنفيذها.
هذه ليست مجرد أرقام مالية، بل شهادة جديدة على طبيعة الإدارة التي حكمت المشروع منذ بدايته؛ إدارة اعتمدت على التوسع السريع والإعلانات الضخمة قبل اختبار الجدوى الواقعية والقدرة الفعلية على التمويل والتنفيذ.
والأخطر أن هذه المليارات لا تُنفق لإنشاء مدينة أو تشغيل مشروع أو توفير وظائف، بل تُدفع كتعويضات وغرامات وبنود جزائية لشركات تعاقدت على مشاريع لم تعد موجودة أو لم تعد أولوية.
“من مدينة المستقبل إلى مصنع للخسائر”
عندما أُعلن عن نيوم، رُسمت صورة لمشروع يفترض أن يغير شكل الاقتصاد السعودي ويضع المملكة في مقدمة الابتكار العالمي. مدن ذكية، جزر سياحية، قطارات فائقة السرعة، منتجعات فاخرة، ومجتمعات مستقبلية قيل إنها ستعيد تعريف مفهوم الحياة الحديثة.
لكن بعد سنوات من الإنفاق الهائل، بدأت الصورة تتغير بصورة متسارعة.
فبدل الحديث عن توسعات جديدة، أصبح الحديث يدور حول إلغاء عقود، وتقليص مشاريع، وتأجيل مراحل كاملة من الخطط الأصلية. وبدل الإعلان عن استثمارات إضافية، ظهرت الحاجة إلى تخصيص عشرات المليارات لتسوية الالتزامات الناتجة عن التراجع عن تلك المشاريع.
وهنا تتجلى إحدى أكبر مشكلات نيوم: المشروع لم يتوسع تدريجيًا وفق الإمكانات المتاحة، بل انطلق بأقصى درجات الطموح دفعة واحدة، ما أدى إلى توقيع التزامات وعقود طويلة الأجل قبل التأكد من استدامة التمويل أو واقعية الجداول الزمنية.
وعندما بدأت الضغوط المالية بالظهور، وجدت الجهات المشرفة نفسها أمام واقع مكلف للغاية: المشاريع لا يمكن إكمالها كما خُطط لها، لكن التراجع عنها ليس مجانيًا أيضًا.
“16 مليار دولار لتصحيح قرارات لم تُختبر”
في المشاريع الكبرى عادة ما تكون هناك خسائر أو تعديلات أو تغييرات، لكن أن يصل الأمر إلى تخصيص 16 مليار دولار تقريبًا لإنهاء اتفاقيات وإلغاء التزامات، فهذا يكشف حجم المشكلة الحقيقية.
فالأموال التي كان يفترض أن تُستخدم لبناء بنية تحتية أو تطوير قطاعات اقتصادية أو خلق فرص عمل، ستذهب الآن إلى معالجة آثار قرارات سابقة اتضح أنها أكبر من القدرة الواقعية على التنفيذ.
وهذا ما يجعل القضية أكثر من مجرد مراجعة إدارية أو إعادة ترتيب للأولويات. إنها اعتراف غير مباشر بأن جزءًا من التخطيط السابق لم يكن مبنيًا على أسس مالية وتشغيلية مستقرة.
فالمدفوعات المرتبطة بالبند الجزائي في العقود لا تأتي عادة نتيجة نجاح المشاريع، بل نتيجة توقفها أو تعديلها أو التخلي عنها.
وبمعنى آخر، فإن مليارات الريالات ستُدفع مقابل أشياء لن تُبنى أصلًا.
وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر في كل ملف مرتبط بنيوم: من يتحمل مسؤولية القرارات التي أدت إلى هذه الفاتورة الضخمة؟
حتى الآن لا توجد إجابات واضحة، ولا توجد آليات شفافة تشرح للرأي العام حجم الأموال التي أُنفقت على المشاريع التي أُلغيت أو الأسباب الحقيقية وراء التراجع عنها.
“اقتصاد الأحلام يصطدم بجدار الواقع”
طوال سنوات جرى تسويق نيوم باعتبارها رمزًا لعصر جديد لا يعرف الحدود التقليدية للتخطيط أو التمويل. لكن ما يحدث اليوم يثبت أن قوانين الاقتصاد لا يمكن تجاوزها مهما كانت الموارد المتاحة.
فالمشاريع العملاقة تحتاج إلى تدفقات مالية مستدامة، واستثمارات حقيقية، وعوائد متوقعة، وأسواق قادرة على استيعابها. أما بناء مدن كاملة اعتمادًا على توقعات مستقبلية متفائلة فقط، فإنه يحمل مخاطر هائلة.
ومع اتساع العجز المالي، وارتفاع الدين العام، وتراجع السيولة داخل بعض المؤسسات الاستثمارية الكبرى، أصبح من الصعب الحفاظ على المستوى نفسه من الإنفاق الذي ميز السنوات الأولى للمشروع.
ولهذا بدأت مرحلة المراجعة القاسية التي نشهدها اليوم، حيث تُعاد دراسة كل مشروع، وتُؤجل مبادرات، وتُلغى أخرى، وتُدفع تعويضات بمليارات الريالات لشركات لم تعد المشاريع التي تعاقدت عليها موجودة كما كانت في المخططات الأصلية.
والنتيجة أن نيوم التي كان يفترض أن تكون نموذجًا للنمو أصبحت مثالًا على مخاطر التوسع غير المحسوب.
“فاتورة التراجع أكبر من فاتورة البناء”
أخطر ما تكشفه الأرقام الجديدة ليس حجم الخسائر وحده، بل حقيقة أن تكلفة التراجع عن المشاريع بدأت تقترب من تكلفة تنفيذ بعضها.
فعندما تضطر جهة ما إلى إنفاق عشرات المليارات فقط للخروج من التزاماتها السابقة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في التنفيذ، بل في طريقة اتخاذ القرار منذ البداية.
وهو ما يفسر لماذا بدأت شركات عالمية عديدة تتعامل بحذر أكبر مع المشاريع الضخمة المرتبطة بنيوم، خصوصًا بعد تكرار التأجيلات والتعديلات والإلغاءات.
فالمستثمرون والمقاولون لا ينظرون فقط إلى حجم العقود، بل إلى استقرار الخطط وقدرة الجهات المالكة على الالتزام طويل الأجل.
وكلما زادت الإلغاءات والتعديلات، ارتفع مستوى المخاطر المرتبط بالمشاريع المستقبلية.
“نيوم حين أصبحت المليارات ثمنًا للتراجع لا للتقدم”
تكشف التطورات الأخيرة أن المشروع الذي رُوّج له باعتباره أعظم تجربة عمرانية في القرن الحادي والعشرين يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته. فبدل أن تكون المليارات موجهة نحو البناء والتشغيل والتوسع، أصبحت تُخصص لإلغاء العقود وإنهاء الالتزامات وتسوية آثار الخطط التي لم تكتمل.
وهذه الحقيقة تضع مشروع نيوم أمام لحظة فارقة: هل ما يجري مجرد إعادة هيكلة مؤقتة، أم بداية اعتراف أوسع بأن جزءًا كبيرًا من الرؤية الأصلية كان أكبر من الإمكانات الواقعية؟
“الصحراء لا تنسى الأرقام”
قد تختفي التصاميم الترويجية، وقد تُعدل الخطط، وقد تُلغى المشاريع بصمت، لكن الأرقام تبقى شاهدة على ما حدث. وعندما تصل فاتورة إلغاء المشاريع إلى 60 مليار ريال، فإن ذلك لا يُقرأ باعتباره تفصيلًا ماليًا عابرًا، بل بوصفه مؤشرًا على حجم الفجوة بين الأحلام التي بيعت للعالم والواقع الذي فرض نفسه في النهاية.
وفي النهاية، لا تُقاس المشاريع العملاقة بحجم الوعود التي أطلقت عند بدايتها، بل بما بقي منها بعد سنوات. وما تكشفه نيوم اليوم أن الطريق من الحلم إلى الواقع قد يكون مكلفًا، لكن الطريق من الحلم إلى التراجع أكثر كلفة بكثير






