في لحظة كان النظام السعودي يعتقد أنه قد أمّن نفسه ماليًا عبر الاكتتاب التاريخي لشركة أرامكو عام 2019، جاءت الأرقام لتصفع الرواية الرسمية بقسوة. اليوم، يسجل سهم الشركة 23.51 ريالًا، في أدنى مستوى له منذ طرحه للاكتتاب، بل أقل حتى من ذروة جائحة كورونا في مارس 2020 حين هبط إلى 23.97 ريالًا. هذه ليست مجرد تقلبات عابرة في السوق، بل مؤشر خطير على انهيار الركيزة الأساسية التي قامت عليها “رؤية 2030”. الشركة التي قُدمت للعالم باعتبارها “أكبر مصدر قوة مالية للمملكة” تتحول اليوم إلى مرآة تكشف ضعف الاقتصاد وهشاشة الرؤية التي بُنيت على الرمال.
أرامكو: من “جوهرة التاج” إلى رمز الفشل
كان يُفترض أن يشكل إدراج أرامكو نقطة تحول تاريخية، إذ ضخّ النظام مليارات في الدعاية لبيع الاكتتاب على أنه “إنجاز القرن”. لكن كل تلك الاحتفالات لم تحجب الحقيقة: الاقتصاد السعودي لا يزال أسير النفط، وأي هزة في أسعار الخام أو الطلب العالمي تنعكس مباشرة على الشركة، وبالتالي على موازنة الدولة. انهيار السهم اليوم يكشف أن “جوهرة التاج” لم تكن سوى عبئًا يجرّ معه كل المشاريع الوهمية التي وعدت بها الرؤية.
الرؤية تسقط مع السهم
رؤية 2030 بنيت على افتراض أن أرامكو ستكون شريانًا لا ينضب يمول صندوق الاستثمارات العامة، ويمكّنه من إطلاق مشاريع ضخمة مثل نيوم وذا لاين والقدية. لكن الواقع أثبت العكس: الصندوق يسجل عوائد شبه صفرية، المشاريع تتآكل وتتأجل، والاعتماد على توزيعات أرامكو أصبح طوق النجاة الوحيد. واليوم، مع تراجع سهم الشركة إلى أدنى مستوياته، ينهار هذا الطوق نفسه، ويُترك النظام عاريًا أمام الحقائق القاسية: لا تنويع، لا استقلالية، بل مزيد من الارتهان للذهب الأسود.
انعكاسات على صندوق الاستثمارات العامة
صندوق الاستثمارات العامة، الذي كان من المفترض أن يقود عملية التحول الاقتصادي، يجد نفسه اليوم في مأزق مزدوج. فمن جهة، هو يعتمد على أرباح أرامكو لتمويل مشاريعه، ومن جهة أخرى تتهاوى قيمة الشركة التي تشكل ركيزة استثماراته. كيف يمكن لصندوق يسجل عوائد قريبة من الصفر في 2024 أن يواصل ضخ المليارات في مشاريع استعراضية بينما مصدر تمويله الأساسي ينكمش في السوق؟ النتيجة المحتومة هي المزيد من الاقتراض، المزيد من نزيف الأصول الأجنبية، والمزيد من تحميل المواطن كلفة الفشل عبر الرسوم والضرائب.
المواطن ضحية الانهيار
هبوط سهم أرامكو ليس شأنًا ماليًا مجردًا، بل له تداعيات مباشرة على حياة الناس. كلما تراجع السهم تقلصت قدرة الدولة على الإنفاق، وكلما ضعفت أرامكو زادت شهية الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة لتعويض الخسائر. ما بدأ بضريبة القيمة المضافة امتد إلى رسوم الأراضي البيضاء، والآن يهدد بموجة جديدة من الجباية غير المباشرة. المواطن الذي وُعد بأن الرؤية ستفتح له أبواب الرخاء يجد نفسه اليوم يموّل من جيبه نزيفًا ماليًا صنعته سياسات رعناء.
صورة المملكة أمام العالم
الانهيار الأخير يضعف أيضًا صورة المملكة في الخارج. حين هبط السهم إلى أدنى مستوى له منذ الاكتتاب، تساءل المستثمرون الدوليون: كيف يمكن الوثوق باقتصاد يُسوّق نفسه على أنه مركز استثمار عالمي بينما عموده الفقري ينهار في السوق المحلية؟ هذه ليست مجرد خسارة في القيمة السوقية، بل تآكل في الثقة الدولية بمستقبل الاقتصاد السعودي. الرؤية التي كانت تُباع في المؤتمرات كخطة عبقرية تتحول الآن إلى مادة للسخرية: أي رؤية هذه التي تنهار أسهم أكبر شركاتها؟
أرامكو عبء سياسي أيضًا
ما يتجاهله النظام أن أرامكو لم تعد مجرد شركة نفط، بل أصبحت ساحة اختبار لسياساته. أي هبوط في سعر السهم يتحول إلى ضربة سياسية لولي العهد، لأنه يفضح الفجوة بين خطاب الإصلاح والواقع الاقتصادي. الخطاب الرسمي لا يستطيع أن يفسر للمواطن ولا للعالم كيف تنهار “أعظم إنجازات الرؤية” بهذه السرعة. وهكذا، يصبح السهم أداة لقياس فشل السلطة، أكثر منه مؤشرًا ماليًا عاديًا.
الدعاية الرسمية تواصل الحديث عن مشاريع سياحية، أحياء مالية جديدة، وصفقات مع شركات عالمية. لكن ما الفائدة من هذه الضوضاء الإعلامية إذا كان عملاق النفط نفسه يهوي في السوق؟ الحقيقة أن كل تلك الدعاية لا تستطيع أن تغطي على الفجوة بين الوعود والواقع. المستثمر المحلي يرى محفظته تتبخر، والمواطن يرى جيبه يُستنزف، والعالم يرى أسهم أرامكو تسجل مستويات تاريخية من الانهيار.
أرامكو تهوي ورؤية 2030 تتبخر
هبوط سهم أرامكو إلى 23.51 ريالًا ليس مجرد رقم مالي، بل شهادة وفاة لرهان النظام على أن أرامكو ستقود التحول الاقتصادي. الرمز الذي كان يُفترض أن يكون مصدر القوة يتحول إلى عبء ثقيل يكشف هشاشة الرؤية ويفضح فشل سياسات ولي العهد.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الاقتصاد السعودي لا يزال أسير النفط، وأن كل ما يُسوّق عن “التنويع” و“الاستقلالية” لم يكن سوى وهمًا. اليوم، مع كل هبوط جديد لأرامكو، يسقط قناع الإصلاح، وتظهر الحقيقة العارية: رؤية 2030 ليست إلا مقامرة فاشلة تحرق ثروات الشعب وتشتري وقت النظام.






