أكثر لحظات التطبيع فشلًا وفضيحةً: كيف اقتربت السعودية من بيع القضية مقابل «فتات جغرافي» قبل أن تُنقذها الأحداث؟

أكثر لحظات التطبيع فشلًا وفضيحةً: كيف اقتربت السعودية من بيع القضية مقابل «فتات جغرافي» قبل أن تُنقذها الأحداث؟

بين المطرقة الإيرانية والظل الأمريكي: هل أصبحت السعودية في قلب معركة لم تعلنها؟
بين المطرقة الإيرانية والظل الأمريكي: هل أصبحت السعودية في قلب معركة لم تعلنها؟

لم يكن أحد يتوقع أن تنكشف أسرار صيف 2023 بهذه السرعة وبهذه الفجاجة، وأن يُفضَح عمق التنازل الذي كانت الرياض مستعدة له من أجل دخول نادي التطبيع بأي ثمن، قبل أن تأتي أحداث 7 أكتوبر وتقلب الطاولة على الجميع، وتفضح أن «المسار الفلسطيني» الذي كان يُسوّق في الإعلام السعودي لم يكن سوى صياغة أميركية–سعودية تُقزّم القضية إلى مستوى تبادل مناطق، وتبديل ألوان الخرائط، وتقديم «تنازلات متواضعة» وصفها تقرير تايمز أوف إسرائيل بأنها بالكاد تستحق أن تُذكر في سياق سياسي، فضلًا عن أن تُسمّى شروطًا لإقامة دولة. كانت القصة جاهزة للإعلان: السعودية تفتح الباب لـ«سلام تاريخي»، وإسرائيل تقدم «خطوات رمزية»، والولايات المتحدة تبارك اتفاقًا كانت قد كتبت مسودته بنفسها. لكن ما كُشف اليوم يوضح أن كل ما كان يُبنى لم يكن سلامًا ولا رؤية ولا استراتيجية، بل صفقة هزيلة كادت تُمنح للاحتلال على طبق من ذهب.

تنازلات سعودية بلا مقابل… وتجميل أميركي لصيغة استسلام سياسي

تكشف الوثيقة التي صاغتها واشنطن مع الرياض — بحضور وموافقة تل أبيب — أن «المكوّن الفلسطيني» الذي ظلت السعودية تتباهى به لم يكن أكثر من إعادة ترقيم إداري للأراضي المحتلة، إذ يقترح المخطط نقل أجزاء محدودة من المنطقة (ج) إلى المنطقة (ب)، ونقل أجزاء من (ب) إلى (أ)، وكأن القضية الفلسطينية يمكن اختصارها في تعديلات على مستويات السيطرة وفق تقسيمات اتفاق أوسلو الذي دفنت إسرائيل روحه وبنوده منذ أكثر من عقدين. لم تتضمن الوثيقة أي التزام بوقف الاستيطان، ولا الاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين، ولا إطلاق الأسرى، ولا وقف الاقتحامات، ولا حتى وقف العدوان المستمر على غزة والضفة؛ بل كانت «الرؤية» التي سوّقتها واشنطن — ووافقت عليها الرياض — مجرد إصلاحات شكلية تمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت وتمنح السعودية حق التفاخر بأنها «انتزعت مكسبًا» في سبيل التطبيع وتقول مصادر تايمز أوف إسرائيل إن إدارة بايدن رأت أن الخلاف بين واشنطن والرياض لم يكن حول مضمون «الحل»، بل حول توقيت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو بحد ذاته يكشف مدى تفريغ الفكرة من مضمونها؛ فالدولة لم تكن خطة ولا مشروعًا ولا مسارًا ملزمًا، بل بندًا شكليًا للاستعمال الإعلامي، يمكن تأجيله أو تجميده أو تكبير حجمه كلما احتاجت السعودية إلى تغطية داخلية أما واشنطن فقد كانت مستعدة لإطلاق بلينكن نحو تل أبيب حاملاً الوثيقة، في خطوة تؤكد أن المشروع كان في لحظاته الأخيرة قبل الإعلان الرسمي، وأن التطبيع لم يكن احتمالاً بل مسارًا مكتملًا ينتظر فقط التوقيع السياسي.

إسرائيل مرتاحة… والسعودية مستعدة… ونتنياهو كان سيُجري التعديلات التي تُلغي أي حديث عن دولة

تكشف الصحيفة الإسرائيلية أن إسرائيل لم تُبدِ أي قلق من الوثيقة المشتركة، بل كانت «مرتاحة بما فيه الكفاية للخطوات المتواضعة» التي تضمنتها. هذه العبارة وحدها كافية لفهم طبيعة الصفقة: تنازلات لا تؤثر على الاحتلال، ولا تقلق نتنياهو، ولا تُجبر إسرائيل على تغيير سياساتها. بل إن التوقع الأكثر ترجيحًا — وفق التقرير — هو أن نتنياهو كان سيُدخل تعديلات تُلغي عمليًا أي إمكانية لتحول «المسار» إلى دولة، عبر تمديد الجدول الزمني إلى أجل غير مسمى أو منعه بشكل كامل كان واضحًا أن الاتفاق يمثل انتصارًا سياسيًا لإسرائيل: تطبيع مجاني من عملاق عربي بثقل السعودية مقابل إصلاحات شكلية يمكن لإسرائيل التراجع عنها في أي لحظة. ومع ذلك كانت الرياض مستعدة للمضي قدمًا، لولا أن الأحداث في 7 أكتوبر دفعت واشنطن إلى تعليق الملف بالكامل والسؤال الذي يطفو الآن على السطح: ماذا لو لم تقع أحداث غزة ؟ ألن يكون السعوديون اليوم في موقع المطبّع رسميًا دون مقابل حقيقي؟ ألم تكن السلطة الفلسطينية ستُمنح ما هو أقل من حكم ذاتي على أراضٍ محدودة بينما يحصل الاحتلال على أكبر انتصار سياسي منذ كامب ديفيد؟ الوثيقة تُجيب نيابة عن الجميع: نعم، هذا كان سيحدث.

7 أكتوبر… ليس انقلابًا عسكريًا بل انقلابًا على مسار كان سيُعلن تطبيعًا بلا حياء

جاءت عملية 7 أكتوبر بالنسبة للولايات المتحدة كزلزال نسف الجدول الزمني للسياسة الخارجية الأميركية، وأجبر بلينكن على إلغاء تحركه نحو تل أبيب، وأدخل ملف التطبيع السعودي في ثلاجة لم يخرج منها حتى اليوم. ليس لأن واشنطن أعادت التفكير أخلاقيًا، ولا لأن الرياض اكتشفت فجأة أنها تتنازل كثيرًا، بل لأن الحرب فجّرت حالة غضب شعبي غير مسبوقة داخل السعودية والعالم العربي، مما جعل أي خطوة تطبيعية انتحارًا سياسيًا داخليًا وبذلك، كان الفلسطينيون — من حيث لم يخططوا — هم من أجهضوا مشروع التطبيع السعودي–الإسرائيلي قبل أن يولد، وليس العكس وكانت «اللحظة التاريخية» التي كان ترامب يستعد للإعلان عنها قد تبخرت في لحظة، تاركة سؤالًا لا يملك أحد شجاعة الإجابة عنه كيف قبلت السعودية أصلًا بصفقة بهذا الحجم من الهزالة؟

 اتفاق كان سيُكتب بالحبر السعودي ويُمحى بالإسرائيلي

تقرير تايمز أوف إسرائيل لا يكشف مسودة دبلوماسية بقدر ما يكشف بنية كاملة من التفكير السياسي السعودي الذي كان مستعدًا للتنازل عن عمق القضية الفلسطينية مقابل مكسب جيوسياسي سريع، ولولا تقاطع الأحداث لما عرف أحد أن «الدولة الفلسطينية» التي كان النظام السعودي يتغنى بها ليست دولة، بل تعديلًا إداريًا على خرائط الاحتلال إن ما جرى في صيف 2023 لم يكن تفاوضًا بل مساومة غير متكافئة، لم يكن مشروع دولة بل تسوية ورقية، ولم يكن مسارًا نحو سلام بل أكبر محاولة لتطبيع مجاني مع إسرائيل منذ اتفاقيات أبراهام — مع فارق واحد: أن إسرائيل لم تكن ستقدم شيئًا، وأن السعودية كانت ستقدّم كل شيء وبذلك، يكشف التقرير حقيقة صادمة التطبيع لم يُمنع… بل تأجّل فقط وما أُجهِضَ في 7 أكتوبر قد يعود في أي لحظة يُقرر فيها النظام أن المجتمع السعودي أصبح «مستعدًا» — تمامًا كما قال ابن سلمان لترامب.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية