“استثمارات بالمليارات وأرباح على الورق”: خدعة التوسع الصناعي في الخليج

“استثمارات بالمليارات وأرباح على الورق”: خدعة التوسع الصناعي في الخليج

كلما ضاق الخناق السياسي في الخليج، زادت التصريحات الوردية عن “نمو اقتصادي”، “زخم في التعاقدات”، و”طفرة مشاريع غير مسبوقة”. لا يهم إن كانت هذه المشاريع واقعية أو وهمية، المهم أن العناوين تبدو براقة تكفي لتسويق صورة اقتصاد يتحرك، بينما الواقع يئن تحت الديون، التضخم، والبطالة المقنعة.

في هذا السياق، تخرج شركات كبرى مثل “إن إم دي سي إنيرجي” لتروّج أرقامًا ضخمة وتوقعات نمو خرافية، كما جاء في مقابلة الرئيس التنفيذي للشركة أحمد سالم الظاهري مع CNN الاقتصادية.

أرقام بلا عمق و”زخم” مفرغ من الجدوى

الظاهري أعلن أن شركته تتوقع استمرار النمو في النصف الثاني من 2025، مشيرًا إلى أن قيمة المناقصات في الشركة وصلت إلى 66 مليار درهم (نحو 18 مليار دولار)، وأن المشاريع البرية نمت من 10% من الإيرادات في 2023 إلى 43% اليوم.

لكن السؤال الجوهري:

ما هو العائد الفعلي على هذه المناقصات؟ وما النسبة التي تحوّلت إلى إنجازات على الأرض بدل التراكم على الورق؟

لا توجد في التصريح أي أرقام عن صافي الأرباح، نسب التنفيذ، أو حتى العقبات التشغيلية. فقط لغة إنشائية، مماثلة تمامًا لخطاب “رؤية 2030” في السعودية: طموحات تتضخم مقابل اقتصاد يعاني من اختلالات بنيوية.

شركات الطاقة والإنشاءات ذراع لتجميل فشل السياسات الخليجية

في ظل تعثر مشاريع كبرى مثل “نيوم”، وزيادة العجز في الميزانية السعودية، تلجأ الحكومات الخليجية إلى القطاع الخاص كشريك دعائي، ترفع من خلاله شعارات الإنجاز، وتغرق السوق بتقارير إعلامية عن عقود ضخمة لا تجد طريقها الفعلي للتنفيذ.

و”إن إم دي سي إنيرجي” ليست استثناءً، بل نموذجًا على استخدام المشاريع كواجهة لتمرير خطط توسعية بدون أسس إنتاجية حقيقية.

فكم من العقود السابقة تحققت؟

ما هي نسب التوطين في هذه العقود؟

وكم من هذه المشاريع تذهب لشركات أجنبية مقاولات من الباطن، بينما يُحرم المواطن الخليجي من فرص العمل والتطوير المهني الحقيقي؟

توظيف الأجانب وإقصاء الكفاءات المحلية

رغم كل التصريحات عن “رؤية وطنية”، ما تزال معظم الشركات التي تتلقى عقودًا بالمليارات تعتمد بشكل شبه كامل على عمالة أجنبية، سواء في المستويات الفنية أو الإدارية العليا. المواطن الخليجي يتحوّل إلى متفرج في وطنه، يُقصى من سوق العمل الفعلي، ويُستدعى فقط لحضور الاحتفالات الرسمية.

التوطين ليس رقمًا على الورق، بل التزام واضح بأن تعود الثروات إلى الشعوب.

وحين تصبح المناقصات الضخمة أداة لتعزيز أرباح شركات أجنبية، بدل تنمية السوق المحلي، نكون أمام نمو طفيلي قائم على الاستيراد لا الإنتاج.

الإعلام الاقتصادي منصات بلا مساءلة

اللافت في المقابلة أنها نُشرت عبر منصة CNN الاقتصادية، المعروفة بتغطيتها شبه الدعائية للأنظمة الخليجية. وهذا يعكس ظاهرة مقلقة: احتواء الإعلام الاقتصادي الدولي وتحويله إلى أداة لتضليل المستثمرين والمراقبين.

بدلًا من تحليل اقتصادي نقدي، تتحول التغطية إلى نشرات ترويجية: لا تدقيق في العقود، لا بحث في مصادر التمويل، لا سؤال عن جدوى المشاريع ولا خلفياتها القانونية.

الإعلام لم يعد سلطة رابعة، بل شريكًا في تمرير التضليل، خاصة حين يتعلق الأمر بمشاريع الخليج التي تُغلف بعبارات “التحول الاقتصادي” و”النهضة العمرانية”.

من نيوم إلى مشاريع الطاقة: تضخيم إعلامي ونتائج غائبة

ما يجري مع “إن إم دي سي إنيرجي” هو صورة مصغرة لما يحدث في مشاريع مثل “ذا لاين”، “نيوم”، و”الرياض الخضراء”. تضخيم إعلامي ضخم، بلا تدقيق ولا إنجاز على الأرض.

كل الأرقام تأتي بصيغة “نتوقع”، “سنحقق”، “تم الإعلان”، لكنها تفشل دومًا في الإجابة عن سؤال:

ما الذي تحقق فعلًا؟ وما الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لكل هذا الهوس بالبناء؟

بل إن الكثير من المشاريع تُلغى بصمت، أو تتعثر، أو تعاد هيكلتها بعد سنوات من الإنفاق والإعلان والتضليل، دون أي محاسبة أو مساءلة علنية.

غياب الشفافية وغياب المواطن عن طاولة القرار

القطاع الصناعي الخليجي – بما فيه شركات الطاقة والإنشاءات – يعاني من أزمة غياب الشفافية.

العقود تُمنح غالبًا بالتراضي، والنتائج لا تُعلن بوضوح.

أما عن تقييم الأداء، فلا مؤشرات مستقلة، ولا تقارير مالية علنية، ولا مراجعة حكومية فعلية.

حتى في الحالات التي تفشل فيها المشاريع أو تنخفض قيمتها السوقية، لا يُحاسب أحد، ولا يُكشف عن الخسائر، ولا يُعوض المواطن الذي دُفعت الأموال من أمواله السيادية.

المشاريع الكبرى ليست بديلًا عن العدالة الاجتماعية

من يتحدث عن 66 مليار درهم من المناقصات عليه أن يشرح:

  • كم وظيفة خُلقت؟
  • كم عائلة استفادت؟
  • كم مشروع تعليمي أو صحي أُنجز؟
  • كم ديْن سُدّد بدل خلق مديونية جديدة؟

المشاريع الضخمة لا تُقاس بحجمها، بل بأثرها.

أما التوسع في البناء على حساب الحاجات الأساسية للناس، فهو مجرد استعراض سلطوي يُستخدم لإخفاء فشل اقتصادي عميق.

حين يُباع المستقبل في عقود مؤقتة

الذي يُعلن عن عشرات المليارات من المناقصات، دون نتائج ملموسة على الأرض، لا يملك خطة تنمية حقيقية.

هو فقط يشتري الوقت، ويشتري الصمت، ويشتري الغلاف الإعلامي بمال العامة.

الاقتصاد لا يُبنى بالأوهام، بل بالإنجاز. وحين يصبح الاستثمار مجرد رقم إعلامي يتبخر بعد نشره، نكون أمام اقتصاد استعراضي، لا يملك القدرة على الصمود أمام أول أزمة.

والمواطن الذي يُقصى من هذه المشاريع، يُقصى من حقه في التنمية، والعدالة، والمستقبل.

فأي اقتصاد يُبنى من دون مواطن؟ وأي نمو يُعلن من دون فائدة عامة؟

الجواب: اقتصاد بن سلمان، وأوهام الخصخصة الخليجية.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية