استيراد الإهانة الرسمية: كيف موّلت هيئة الترفيه ازدراء النبي والمجتمع على مسارح الرياض

استيراد الإهانة الرسمية: كيف موّلت هيئة الترفيه ازدراء النبي والمجتمع على مسارح الرياض

لم يعد ما يحدث في مهرجانات الكوميديا التي ترعاها هيئة الترفيه السعودية مجرّد تجاوزات فردية أو أخطاء تنظيمية يمكن تبريرها بسوء تقدير أو فوضى إدارية، بل تحوّل إلى مسار واضح المعالم، موثّق بالأسماء والتصريحات والتسجيلات، ويكشف نمطًا ثابتًا لا يمكن إنكاره يتمثل في استقدام كوميديين أجانب معروفين بتجاوزاتهم الصريحة، ودفع مبالغ ضخمة لهم من المال العام، ومنحهم حماية كاملة داخل المملكة، ثم تركهم يغادرون ليعلنوا علنًا أنهم سخروا من الدين، وتجاوزوا على النبي محمد ﷺ، واحتقروا المجتمع السعودي، وخرقوا كل الشروط المتفق عليها دون أن يتعرضوا لأي مساءلة أو حتى توبيخ رمزي.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في محتوى العروض نفسها، بل في السياق الذي جرت فيه، إذ حدثت جميعها تحت رعاية رسمية، وفي مهرجانات تحمل اسم الدولة، وبعلم الجهات المنظمة، وبتكرار كافٍ ليؤكد أن الأمر لم يكن خطأً عابرًا، بل خيارًا محسوبًا ضمن مشروع ترفيهي يرى في الصدمة والإهانة وسيلة جذب لا مشكلة أخلاقية.

مارك نورماند: صفقة المال مقابل إهانة الدين والمجتمع بلا مواربة

مارك نورماند، الكوميدي الأمريكي المعروف بأسلوبه الاستفزازي، لم يكتفِ بالمشاركة في مهرجان الرياض للكوميديا ثم الصمت، بل خرج بعد عودته ليقدّم رواية كاملة عمّا فعله داخل السعودية، دون أي محاولة للإنكار أو التخفيف. نورماند تحدّث بثقة كاملة عن استلامه مبلغًا لا يقل عن مئة وخمسة وعشرين ألف دولار مقابل العرض، ثم استعرض ما قدّمه على المسرح باعتباره إنجازًا شخصيًا، مؤكدًا أنه سخر من النبي محمد ﷺ بقوله إنه “دخل ورسم صورة لمحمد”، وقدّم نكات عن رجم النساء، وتناول الشذوذ الجنسي والدين والحكومة، رغم علمه المسبق بأن هذه الموضوعات كانت خارج الاتفاق المعلن.

لم يتوقف الأمر عند محتوى العرض، بل امتد إلى ازدراء المجتمع نفسه، إذ وصف مطار الرياض بأنه مليء بالحمير وأشخاص ذوي رائحة كريهة، وسخر من الموظفين السعوديين الذين استقبلوه قائلًا إن أحدهم كان يقبّل قدميه، وروّج صورة عنصرية حين قال إنه كان يتوقع أن يُقطع رأسه، كما استهزأ بالزي التقليدي للرجال والنساء. الأخطر من كل ذلك أنه أكّد أن الجمهور كان سعيدًا بالأداء وصفّق له بحرارة، مقدّمًا المشهد وكأنه دليل قبول اجتماعي، لا نتيجة حماية رسمية مطلقة.

نورماند لم يتحدث بلسان شخص نادم أو متفاجئ، بل بلسان من كان واثقًا أن لا جهة سعودية ستعترض عليه، لا أثناء العرض ولا بعده، وهو ما يكشف حجم الفراغ الأخلاقي والرقابي الذي تعمل داخله هذه الفعاليات.

ديف تشابيل ونيميش باتيل: حين تتحول الإهانة إلى “مهمة مسموح بها”

ديف تشابيل، أحد أشهر الكوميديين في العالم، قدّم اعترافًا أكثر خطورة عندما خرج بعد عودته من مهرجان الرياض ليقول علنًا في عرض داخل الولايات المتحدة إن السعوديين لا يستطيعون قول الأشياء التي سُمح له بقولها، مضيفًا أن “الملك قال إنه يمكنني قول هذه الأشياء”، وواصفًا مشاركته بأنها “مهمة دبلوماسية” لإحضار نكات جنسية صريحة إلى الشرق الأوسط. هذا التصريح لا يمكن فهمه بوصفه مزحة عابرة، لأنه يؤكد بوضوح أن المنع لا يُرفع عن المحتوى نفسه، بل عن المواطن فقط، وأن التجاوز لم يكن نتيجة فوضى أو سوء تنسيق، بل إذن سلطوي مباشر يمنح الأجنبي ما يُحرّم على صاحب البلد.

في السياق نفسه، جاءت شهادة نيميش باتيل، الكوميدي الأمريكي الذي رفض المشاركة، لتكشف الوجه الآخر للمنظومة. باتيل قال إنه عُرض عليه مبلغ مماثل لا يقل عن مئة وخمسة وعشرين ألف دولار، وإن المبلغ بدا له مبالغًا فيه إلى درجة شعر معها أن الهدف هو استدراجه، وأوضح أن الشروط الرسمية كانت عدم السخرية من الدين والمملكة وولي العهد، لكنه أقرّ صراحة أنه كان سيخالف كل ذلك، بل كتب مشهدًا يسخر فيه من ولي العهد تشخيصيًا. شهادة باتيل مهمة لأنها تؤكد أن المال يُستخدم كطُعم، وأن الشروط شكلية، وأن الجهات المنظمة تعرف تمامًا طبيعة من تستقدمهم، بل تعتبر المخالفة جزءًا من الجاذبية لا خطرًا يجب منعه.

حين تدفع الدولة لتُهان ثم تصمت

ما جرى في مهرجانات الرياض للكوميديا لم يعد بحاجة إلى تحليل نوايا، فالصورة باتت مكتملة بالأسماء والمبالغ والتصريحات والتكرار. دولة تدفع مئات آلاف الدولارات من المال العام لمن يسخر من نبيّها ويهين مجتمعها، ثم تلوذ بالصمت، لا تمارس انفتاحًا ولا تسامحًا، بل تتنازل طوعًا عن كرامتها الرمزية وتعيد تعريف المجال العام على قاعدة مقلوبة: الإهانة محمية، والاعتراض مُجرَّم.

الترفيه في هذه الحالة لم يعد مساحة للضحك أو التنفيس، بل أداة كسر وإخضاع واختبار لمدى استعداد المجتمع للتطبيع مع الإهانة باسم الحداثة. وحين تصبح الإساءة سياسة غير معلنة، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الكوميديين أنفسهم، بل في الجهة التي صنعت لهم المسرح، وموّلتهم، وأطفأت الضوء عن أي مساءلة.

هذا ليس انفتاحًا، ولا خطأ تنظيميًا، ولا سوء تقدير. هذا استيراد منظّم للإهانة باسم الدولة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية