في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، خرجت مقالة رأي على صحيفة إسرائيلية تحمل عنوانًا لافتًا: “السعودية لم تتجه نحو التطرّف ولم تتخلّ عن الاعتدال”. لم تكن المقالة مجرد دفاعٍ نظري عن سياسات داخلية، بل بدت أقرب إلى رسالة سياسية مُشفّرة موجّهة إلى جمهور بعينه، خارج الحدود. والأكثر دلالة أن كاتبها هو باحث معروف بقربه من دوائر القرار في الرياض، وأن المقالة حظيت باحتفاء علني من شخصية توصف بأنها مقربة من الديوان الملكي، مع إعادة نشرها موجّهة صراحةً للناطقين بالإنجليزية.
السؤال هنا لا يتعلق بالمضمون وحده، بل بالسياق والجمهور المستهدف: لماذا يُكتب دفاعٌ عن “الاعتدال السعودي” في صحيفة إسرائيلية؟ ولماذا يُروَّج له باعتباره برهانًا على ثبات النهج؟ وما هو “الاعتدال” الذي يُراد تثبيته في وعي القارئ الإسرائيلي والغربي تحديدًا؟
الاعتدال كما يُراد تسويقه
المقالة المشار إليها تقدّم سردية تقول إن السعودية لم تنزلق نحو التطرّف، ولم تتراجع عن مشروعها الإصلاحي. تستعرض تغييرات اجتماعية وثقافية شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية: تراجع نفوذ الشرطة الدينية، توسّع دور المرأة في المجال العام، انفتاح السياحة، وإعادة صياغة الخطاب الديني في المناهج والمؤسسات الرسمية.
في ظاهرها، هذه سردية “تحديث” تُخاطب جمهورًا غربيًا مألوفًا بهذا النوع من الخطاب. لكن اللافت أن السياق الإسرائيلي يمنحها بعدًا إضافيًا: فـ“الاعتدال” هنا لا يُقاس فقط بمؤشرات داخلية، بل بموقع المملكة من ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها العلاقة مع إسرائيل، وموقفها من الإسلام السياسي، وتصورها لمعادلات الأمن الإقليمي.
بل إن بعض التصريحات المنسوبة في السنوات الأخيرة إلى أكاديميين غربيين على صلة بولي العهد السعودي، تحدثت صراحةً عن أن موقف الرياض من “الإسلام السياسي” ومن “السلام مع إسرائيل” هو جزء من مشروع أعمق لإعادة بناء المجتمع، وأنه موقف “بنيوي لا تكتيكي”. هذه العبارات، حين تُستعاد في صحيفة إسرائيلية، تتحول إلى تطمين مباشر: السعودية، حتى إن تباطأت، لم تغيّر وجهتها الاستراتيجية.
من “البكيني” إلى “الاعتدال”
المفارقة أن الكاتب نفسه سبق أن ظهر في لقاء قبل أعوام، مستبشرًا بما اعتبره مظاهر تحوّل اجتماعي لافتة، من قبيل “سعوديات يرتدين البكيني على سواحل جدة” و“نساء غير محجبات”. يومها، كان هذا الخطاب موجّهًا لجمهور غربي يُقنعه بأن التغيير الثقافي هو الدليل الأوضح على الانفكاك من الماضي المحافظ.
اليوم، يعود الخطاب بصيغة أكثر هندسة: لم يعد التركيز على الصور الاجتماعية الصادمة للذهنية التقليدية، بل على الثبات السياسي في مسار “الاعتدال”. غير أن السؤال يبقى: هل يُختزل الاعتدال في مظاهر اجتماعية؟ أم في تموضع جيوسياسي محدد؟ وهل هو توصيف قيمي أم أداة لإعادة تعريف المصالح؟
عندما يُقدَّم الاعتدال باعتباره نقيضًا لـ“التطرّف”، فإن تعريف الطرفين يصبح بيد من يملك المنصة. وفي الحالة الراهنة، يبدو أن الاعتدال يُعرَّف ضمن معادلة أمنية إقليمية: محاربة الإسلام السياسي، إعادة صياغة الخطاب الديني، والانفتاح على ترتيبات إقليمية جديدة، حتى إن كانت لا تحظى بإجماع شعبي.
الجمهور المستهدف: تل أبيب وواشنطن معًا
اختيار منصة إسرائيلية لنشر المقال ليس تفصيلاً عابرًا. إنه رسالة مزدوجة: الأولى إلى النخب السياسية والإعلامية في إسرائيل، بأن الرياض لا تزال شريكًا محتملًا في مشروع إقليمي أوسع، وأن أي توتر ظرفي لا يعني انقلابًا في المسار. والثانية إلى دوائر القرار في واشنطن، بأن المملكة ما زالت في معسكر “الاعتدال” الذي يُراد بناؤه في المنطقة.
إعادة نشر المقال من قبل شخصية مقربة من الديوان الملكي، مع توجيهه صراحةً للناطقين بالإنجليزية، يعزز الانطباع بأن الرسالة ليست اجتهادًا أكاديميًا فرديًا، بل جزءًا من خطاب سياسي محسوب. إنه نوع من الدبلوماسية الإعلامية غير الرسمية، حيث تُختبر الرسائل في الصحافة قبل أن تتحول إلى سياسات معلنة.
الاعتدال كأداة تفاوض
في لحظة إقليمية مشحونة، حيث ارتفعت كلفة أي خطوة تطبيعية علنية، يصبح التذكير بالاعتدال وسيلة لطمأنة الشركاء دون دفع الثمن السياسي داخليًا. فالمقالة لا تعلن تحولًا جديدًا، بل تؤكد ثباتًا: السعودية لم تنحرف، لم تتراجع، لم تنقلب على مسارها.
لكن هذا الثبات نفسه يمكن قراءته بوصفه أداة تفاوض. حين يُقال إن الموقف “بنيوي لا تكتيكي”، فإن الرسالة الضمنية هي أن أي تأجيل أو اشتراطات ليست تراجعًا، بل إعادة تسعير. بمعنى آخر: المسار قائم، لكن كلفته ارتفعت.
اللافت أن هذا الخطاب يُصاغ بلغة إنجليزية موجهة للخارج، بينما يظل الخطاب الداخلي أكثر حذرًا، يوازن بين الحساسية الدينية، والرأي العام، والرمزية المرتبطة بمكانة المملكة في العالم الإسلامي. هنا تظهر ازدواجية محسوبة: الداخل يحتاج إلى تطمينات مختلفة عن الخارج.
فالاعتدال في الداخل يُقدَّم بوصفه تحديثًا اقتصاديًا واجتماعيًا، أما في الخارج فيُقدَّم كتموضع سياسي واضح في مواجهة تيارات بعينها، وكقابلية للاندماج في ترتيبات إقليمية جديدة.
اعتدال أم إعادة تموضع؟
ليست المشكلة في الدعوة إلى الاعتدال بحد ذاته، بل في تعريفه ومن يعرّفه ولأي جمهور. حين يُعاد تصدير المفهوم عبر منصة إسرائيلية، مدعومًا باحتفاء من شخصيات قريبة من مركز القرار، فإن الأمر يتجاوز الرأي إلى الرسالة السياسية.
الاعتدال هنا ليس مجرد مسار اجتماعي، بل خطاب يُستخدم لإدارة التوقعات، وطمأنة الشركاء، وإبقاء الأبواب مواربة. إنه جزء من لعبة توازن دقيقة بين الداخل والخارج، بين الرأي العام والحسابات الاستراتيجية. يبقى السؤال مفتوحًا: هل الاعتدال قيمة مستقلة تُقاس بمدى اتساع الحريات والمشاركة السياسية؟ أم أنه عنوان لاصطفاف إقليمي يُعاد تسويقه بحسب الحاجة؟ في الإجابة على هذا السؤال تتضح حدود المشروع، وتتبيّن حقيقة المسار






