اقتصادٌ على جهاز التنفّس: أسبوع الرسوم والهبوط وتآكل الأصول يفضح هشاشة نموذج بن سلمان

اقتصادٌ على جهاز التنفّس: أسبوع الرسوم والهبوط وتآكل الأصول يفضح هشاشة نموذج بن سلمان

لا يحتاج مراقب الاقتصاد السعودي إلى جهدٍ كبير لالتقاط إشارات الاختناق المالي هذا الأسبوع. الأسواق تتراجع على التوالي، الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي تتآكل بعشرات المليارات خلال شهر واحد، والسلطات تهرع إلى فرض رسوم عقارية جديدة بنسب قياسية تحت لافتة “تنظيم السوق”. الصورة مكشوفة لمن يريد أن يرى: نظامٌ يضاعف الجباية حين تجفّ السيولة، ويحتفل بوعود استثمارية خارجية فيما مؤشراته الداخلية تدقّ ناقوس الخطر. الهبوط المتزامن في البورصة مع انخفاض أسعار النفط إلى ما يقارب 68 دولارًا للبرميل لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل عنوانًا لأسبوع آخر يكشف هشاشة النموذج الذي روّج له ولي العهد باعتباره طريق الخلاص من ارتهان المملكة للذهب الأسود.

البورصة تترنّح مع كل هزة نفطية

المشهد بدأ من السوق المالية، حيث واصل المؤشر السعودي خسائره لخامس جلسة على التوالي تزامنًا مع هبوط أسعار النفط وتوقعات بزيادة المعروض من أوبك+. ذلك الارتباط البنيوي بين حركة النفط وتوازنات الميزانية العامة لم يُكسر رغم طبول “التنويع” التي تُقرع منذ سنوات. تراجع أسهم شركات كبرى في جلسة الأحد جاء كترجمة فورية لصدمة الأسعار، لكن الأعمق من حركة المؤشر كان الرقم الذي خرج من البنك المركزي: صافي الأصول الأجنبية انخفض بنحو 13.3 مليار دولار في يوليو وحده، نزيفٌ شهري يشي بأن شهيّة الإنفاق الحكومي وتمويل الالتزامات الخارجية تفوق ما يدخل الخزينة من صادرات وسندات. الرسالة قاسية وواضحة: الاحتياطي يُستنزف بوتيرة لا يغطّيها خطاب الدعاية ولا لافتات المؤتمرات.

الرسوم العقارية جباية تحت لافتة الإصلاح

السلطة ردّت بطريقتها المعتادة: ضرائب ورسوم جديدة مُغلّفة بلغة “إصلاح السوق”. وزارة الشؤون البلدية والإسكان أعلنت نطاقات وجداول لرسوم الأراضي البيضاء في الرياض تصل إلى 10% سنويًا على أعلى شريحة، مع تدرّج 7.5% و5% و2.5% لفئات أدنى. القرار قُدّم كعلاجٍ للمضاربة العقارية وزيادة المعروض السكني، لكنه في جوهره يعكس حاجةً عاجلة لتدفقات مالية إضافية في لحظة تتراجع فيها المؤشرات النفطية وتتسع فجوة الأصول. حين ترتفع الرسوم إلى هذا السقف في العاصمة، فذلك يعني أن الحكومة لم تعد تراهن فقط على “تحسين الكفاءة” بل أيضًا على تحصيل مباشر يسند الخزينة ويخفّف وطأة انخفاض النفط وتكاليف المشروعات المتضخّمة. أي حديث عن “تنظيم” لا يلغي الحقيقة البسيطة: المواطن والمطوّر سيدفعان ثمن سياسات استعراضية تحوّل الرسوم إلى أداة سدّ عجز.

وعود المنتديات لا تغطي نزيف الأرقام

المدافعون عن هذه القرارات سارعوا لرفع لافتة “النجاحات” المعتادة؛ أخبار تروّج لتجاوز مستهدفات تملك المساكن، وتقارير احتفالية عن منتديات واستثمارات ثنائية يجري تسويقها كدلائل على متانة الاقتصاد. لكنّ سؤال الجدوى يبقى معقودًا على ميزان الأرقام الصلبة لا على بيانات العلاقات العامة. إعلان المنتديات وصفقات “مذكرات التفاهم” مع دولٍ كسوريا أعيد تدويره هذا الأسبوع بوصفه فتحًا اقتصاديًا يعيد رسم الخريطة التجارية، غير أنّ هذه الوعود لا تغيّر حقيقة أن البورصة تهبط، والاحتياطيات تتآكل، والنفط دون المستويات التي بنى عليها المخططون افتراضات الإنفاق. وعودٌ تُضخّ للإيحاء بالحيوية بينما تحت السطح تتزايد مؤشرات الشحّ النقدي والضغط المالي.

التبعية للنفط معضلة لم تُكسر

الاعتماد على الضرائب والرسوم كمسكّن مالي لن يعالج المرض المزمن: نموذج نموّ لم ينجح في تخفيف التبعية الدورية لعائدات الخام. انخفاض برنت إلى حدود 68 دولارًا للبرميل كفيلٌ بإعادة كشف أوراق الميزانية، لأن ركيزة التمويل الأساسية ما زالت نفطية مهما تغيّرت العناوين التسويقية. كل نقطة انخفاض في السعر تعني حسابات أكثر تعقيدًا للعجز، والتوسّع في الاقتراض أو السحب من الأصول الأجنبية يصبحان لازمين لتغطية فجوات الصرف على المشاريع الضخمة ورواتب الجهاز العام ودعم الصناديق. بذلك يتحوّل أي هبوط في النفط إلى موجة ارتدادية تصيب السوق والعقار والائتمان في وقت واحد، وهو ما رأيناه هذا الأسبوع بلا رتوش.

الأثر على السوق والمطورين العقاريين

الرسوم العقارية المرتفعة تحمل آثارًا جانبية لا يعترف بها المُشرّع في بياناته. زيادة كلفة الاحتفاظ بالأراضي قد تدفع إلى تسريع الإفراغ والمزادات كما بدأت بعض المؤشرات الصحفية تُظهر، لكنها أيضًا ترفع كلفة التطوير وتمويل المخزون لدى المطوّرين، ما ينعكس على أسعار الوحدات النهائية أو يجمّد قرارات استثمارية في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد إلى تشغيل حقيقي لا تدوير أوراق. حين تجتمع الرسوم مع معدلات فائدة عالمية أعلى وضبابية نفطية، يصبح المناخ الائتماني أكثر حذرًا، ويقل استعداد المصارف لتحمّل مخاطر طويلة الأجل في مشاريع السكن والبنية التحتية، فتتآكل الغاية المُعلنة من “تنظيم السوق” لصالح غاية غير معلنة: الجباية السريعة.

المستثمرون بين شاشة حمراء وصندوق مكبّل

الأسوأ أن هذه الإجراءات تأتي متزامنة مع ضغطٍ سوقي يجرّ المؤشر إلى الهبوط، ويضرب الثقة الاستثمارية المحلية. المستثمر الفرد الذي يقرأ شاشة التداول وهو يرى المؤشر يتراجع خمس جلسات متتالية لا يستهويه خطاب “الإصلاح الهيكلي” بقدر ما يفزعه نزيف القيمة في محفظته. صندوق الاستثمارات العامة الذي اعتاد إنقاذ الصورة عبر ضخّ السيولة في حصص محلية وعالمية يواجه هو الآخر تضييقًا على هوامش الحركة بعد تقلّبات أرباح أرامكو وتحوّط المجموعة تجاه توزيعات 2025، بالتزامن مع احتياجات تمويل داخلي لمشاريع متضخّمة لا تزال بعيدة عن توليد تدفقات نقدية مستقرة. في نهاية المطاف، تتراكم الضغوط جميعها فوق رأس مستهلكٍ يُطالَب بدفع رسوم أعلى، ومُستثمِرٍ يلاقي تقلبًا أكبر، وحكومةٍ تصطدم بجدار الواقع حين ينخفض النفط.

الحقيقة خلف الدعاية

الرسالة التي حاولت السلطة إرسالها هذا الأسبوع عبر “رسوم الرياض” تقول إن الدولة قادرة على إعادة تشكيل السوق العقارية بقرارات سريعة. الحقيقة الأعمق أنّ الدولة تعترف ضمنيًا بأن أدواتها القديمة فشلت في كسر المضاربة وإطلاق عرضٍ سكني مستدام، وأنّ مواجهة فجوة التمويل لم تعد تحتمل الانتظار. لو كان “التنويع” قد نجح فعلاً، لما اهتزّت البورصة بهذه الحدّة مع أول صفعة نفطية، ولما احتاج البنك المركزي إلى حرق 13.3 مليار دولار من صافي الأصول في شهر واحد بينما تتكاثر البيانات الاحتفالية عن المنتديات والاتفاقيات. الأرقام لا تجامل أحدًا: اقتصادٌ يتنفّس على إيقاع النفط، وخزانةٌ تسدّ الثقوب بالرسوم حين تجفّ الحنفيات، وسوقٌ تفقد ثقتها حين تتبدّد الوعود على أبواب جلسة تداول.

جباية تُطلي الشقوق ونموذج يتداعى تحت أول هبّة نفط

أسبوعٌ واحد كفيلٌ بكشف القصة كاملة: مؤشرٌ يتراجع خمس جلسات، نفطٌ عند حدود 68 دولارًا، صافي أصولٍ أجنبية يهبط 13.3 مليار دولار في شهر، ورسومٌ عقارية تصل إلى 10% تُفرَض في قلب الرياض. ما يُسمّى “تنويعًا” لم يقيِ النظام السعودي من صدمات السوق، وما يُسوَّق كـ“تنظيم” ليس إلا جبايةً تُطلي الشقوق بينما الجدار يتداعى. الاقتصاد الذي وُعد بالخروج من أسر النفط ما زال رهينته، والخزانة التي بُشّرَت بموارد غير نفطية مستدامة تستنجد اليوم برسومٍ داخلية وتسييل أصولٍ خارجية لتبقى واقفة. الحقيقة الصارخة لا تحتاج زينة لغوية: نموذج بن سلمان الاقتصادي يقف على جهاز التنفس، وكل إعلانٍ احتفالي جديد لا يفعل أكثر من تأجيل لحظة الحقيقة. من يدفع الفاتورة؟ مواطنٌ يُطالَب برسوم أعلى، ومُستثمِرٌ تُقابله شاشةٌ حمراء، واقتصادٌ يُدار بمنطق الاستعراض لا بمنطق الإنتاج.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية