اقتصاد بالدَّين: كيف تحوّل الاقتراض الخارجي إلى العمود الفقري لتمويل الدولة

اقتصاد بالدَّين: كيف تحوّل الاقتراض الخارجي إلى العمود الفقري لتمويل الدولة

إعلان ترتيب قرض دولي مجمّع بقيمة 13 مليار دولار لا يمكن قراءته كخبر مالي تقني أو إجراء إداري عابر، بل كحلقة جديدة في مسار اقتصادي يتكشّف بوضوح متزايد: دولة تُموّل حاضرها بالاستدانة، وتؤجّل كلفة خياراتها إلى المستقبل. توقيت القرض، وحجمه، وطبيعة القطاعات التي سيوجَّه إليها، كلها مؤشرات على أن الاقتراض لم يعد أداة ظرفية لإدارة العجز، بل أصبح خيارًا مركزيًا في إدارة الاقتصاد السعودي، مهما حاول الخطاب الرسمي تقديمه بلغة “الكفاءة” و“المرونة”.

النفط حاضرٌ رغم كل الشعارات

منذ إطلاق رؤية 2030، رُفعت عناوين كبيرة عن تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد ما بعد النفط. غير أن الواقع المالي يكشف فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة. النفط لا يزال العمود الفقري للميزانية العامة، وأي تراجع في أسعاره أو اضطراب في السوق العالمية ينعكس فورًا على قدرة الدولة التمويلية. هنا يظهر الاقتراض كحل جاهز، لا كملاذ أخير.

القرض الأخير يفضح هذا التناقض بوضوح. تمويل مشاريع في الطاقة والمياه والمرافق العامة—وهي قطاعات يفترض أن تكون مستقرة الإيرادات—عبر الدين الخارجي يعني أن الإيرادات الذاتية لم تعد كافية لتغطية الإنفاق الرأسمالي المتضخم. وهو اعتراف غير مباشر بأن نموذج التمويل القائم لم ينجح في فك الارتباط الحقيقي عن النفط، بل اكتفى بإعادة تدوير المخاطر عبر الديون.

دين يتصاعد وأسئلة لا تُطرح

بيانات الدين العام تكشف مسارًا تصاعديًا مقلقًا. خلال سنوات قليلة، انتقل الدين من مستويات متواضعة إلى عشرات المليارات من الدولارات، مع توسّع مستمر في الإصدارات السيادية والقروض المجمّعة. ورغم التأكيدات الرسمية المتكررة بأن مستويات الدين “آمنة”، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بالحجم وحده، بل بالوتيرة.

الاقتراض حين يصبح متكررًا، ومنهجيًا، ومتصاعدًا، يتحوّل من أداة إدارة مالية إلى نمط تمويلي دائم. وهنا تُطرح علامات استفهام ثقيلة حول جدوى “إصلاحات” طُبّقت منذ 2016. فُرضت ضريبة القيمة المضافة، رُفعت أسعار الطاقة، تقلّص الدعم، وتآكلت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع. كل ذلك قُدّم بوصفه ثمنًا ضروريًا لاستقرار المالية العامة. لكن النتيجة لم تكن تقليص الحاجة إلى الدين، بل العكس تمامًا.

هذا التناقض يضع المواطن في قلب المعادلة. فالدين ليس رقمًا في تقرير مالي، بل التزام طويل الأمد تُسدَّد فوائده من الميزانية، والميزانية تُموَّل في النهاية من جيب المجتمع. كل قرض جديد يعني التزامات مستقبلية إضافية، وهوامش أضيق للتعامل مع الأزمات.

كفاءة إنفاق غائبة ومخاطر مؤجّلة

يزداد القلق حين يُفتح ملف كفاءة الإنفاق. جزء معتبر من المشاريع التي موّلت خلال السنوات الماضية لم يحقق العوائد الموعودة، وبعضها تعثّر أو تأخر أو تضخمت تكلفته بشكل لافت. في ظل غياب شفافية تفصيلية حول الجدوى الاقتصادية، يصبح الاقتراض أقرب إلى رهان مفتوح على المستقبل، لا سياسة مالية محسوبة.

إلى جانب ذلك، يربط الاعتماد على الدين الخارجي الاقتصاد السعودي بشكل أعمق بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الفائدة الدولية. في بيئة مالية عالمية متوترة، قد تتحوّل خدمة الدين إلى عبء إضافي، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع تراجع الإيرادات النفطية أو تباطؤ النمو العالمي. هنا لا يكون الخطر نظريًا، بل عمليًا، يمس قدرة الدولة على المناورة في أوقات الشدة.

السؤال لم يعد: هل تستطيع السعودية الاقتراض؟ فالقدرة متوفرة، والأسواق لا تزال منفتحة. السؤال الحقيقي: إلى متى يمكن الاستمرار في هذا المسار دون كلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية أعلى؟ ومتى يتحوّل الدين من أداة دعم إلى علامة على اختلالات هيكلية لم تُعالج؟

فاتورة مؤجَّلة بثمن أعلى

القرض الدولي الأخير ليس حدثًا منفصلًا، بل مرآة لنهج اقتصادي يتّسع نطاقه. الاستدانة باتت الحل الأسرع، والأقل كلفة سياسيًا على المدى القصير، لكنها الأكثر خطورة على المدى البعيد. فالدولة التي تموّل أساسياتها بالدين، وتضغط مجتمعها بالإصلاحات دون أن تخفف اعتمادها على الاقتراض، تراكم فاتورة مؤجلة لا تختفي بل تتضخم.

في نهاية المطاف، الأرقام لا تسدّد الديون وحدها. المواطن هو من يدفع الثمن، سواء عبر الضرائب والرسوم أو عبر تقليص الإنفاق الاجتماعي عند أول اختبار حقيقي. ومع كل قرض جديد، يضيق هامش الأمان. السؤال الذي يبقى معلّقًا ليس تقنيًا ولا ماليًا فحسب، بل وجودي: كيف سيصمد هذا النموذج أمام صدمة اقتصادية كبرى، إذا كان الدين هو الخيار الدائم لا الاستثناء؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية