لا يحتاج المراقب إلى كثير من التدقيق ليرى المفارقة التي تحولت إلى فضيحة دولية مكتملة الأركان: دولة تتلقى التحذيرات المالية من كل اتجاه، وتعلن عجزًا مقصودًا حتى 2028، وتبيع أصول أرامكو، وتغرق مصارفها في الاقتراض، بينما يندفع صندوق الاستثمارات العامة نحو صيف جديد من التعاقدات الرياضية الباذخة، وكأن اقتصاد المملكة يعيش ذروة الازدهار لا قاع الانكماش. وفي اللحظة التي تتحدث فيها رويترز وبلومبيرغ وسيمافور عن انكماش الإيرادات، وتقليص المشاريع، وبيع الأصول، وخفض الإنفاق، يُعلن النظام السعودي استعداد الصندوق لشراء نجوم منتهية الصلاحية برواتب تتجاوز 150 مليون ريال سنويًا، ويستعد لصفقة ضخمة مع محمد صلاح، ويواجه تمردًا مبكرًا من لاعبين مثل داروين نونيز الذي لم يُخفِ ضيقه من مستوى الدوري ورغبته في المغادرة. هكذا يتجلى المشهد: اقتصاد يحترق، ونظام يطفئ النيران بالاستعراض، ومليارات تُهدر على لعبة لا تستطيع إخفاء انهيار الدولة مهما ارتفع صوت الجماهير في الملاعب.
«صيف التعاقدات… حين يشتري النظام الوهم بينما يبيع أصوله النفطية لإنقاذ نفسه»
بحسب صحيفة موندو ديبورتيفو، يستعد صندوق الاستثمارات العامة للمفاوضة مع ليفاندوفسكي وروديغر وألابا برواتب تتراوح بين 25 و35 مليون يورو لكل لاعب—وهو رقم لا تدفعه أي نادٍ أوروبي حتى لأفضل لاعبي العالم في ذروة مسيرتهم، فكيف يُدفع لمن تخطّى معظمهم مرحلة اللمعان؟ لكن المسألة لا تتعلق بالمنطق الرياضي، بل بالهاجس السياسي: ابن سلمان يريد استمرار الدعاية بأن «الدوري السعودي يجذب النجوم»، حتى لو كان ذلك على حساب خزائن تتآكل بسرعة مرعبة المفارقة ليست في ضخامة الأرقام فقط، بل في توقيتها. ففي الأيام ذاتها التي كانت بلومبيرغ تكشف فيها أن أرامكو تدرس بيع أصول استراتيجية قد تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار—وهي أكبر عملية بيع في تاريخ الشركة—كان الصندوق يخطط لشراء لاعبين راحلين، بما يعادل ربع قيمة نادي أوروبي متوسط. وبينما يصف وزير المالية العجز بأنه «مُصمّم»، أي مُفتعل برغبة سياسية، تتحرك المؤسسات السعودية الكبرى مثل البنك الوطني للحصول على قروض بمليار دولار، في حلقة لا تنتهي من الاقتراض لسد ثقوب الإنفاق المتسارع.
كل هذا يعني أن الصندوق الذي يُفترض أنه ذراع التنمية، تحول إلى ذراع للترفيه، يشتري صورًا للعرض بينما تذوب الأصول الحقيقية تحت ضغط الإنفاق والديون. فالدولة التي تبيع مخازن النفط وتشتري لاعبين ليست دولة تبحث عن المستقبل، بل نظام يبحث عن لقطات للكاميرا.
«دوري بلا روح… وكرة بلا جمهور… ولاعبون يهربون قبل أن يرسخوا أقدامهم»
تكشف التسريبات الجديدة حول داروين نونيز—الذي جاء إلى الهلال بصفقة كبرى—طبيعة الأزمة الداخلية في المشروع الرياضي السعودي. نونيز، كما نقل موقع Foot Africa، «غير سعيد»، «غير راضٍ عن مستوى الدوري»، ويشعر أنه لن يستطيع التطور هنا. وهذا ليس تصريحًا معزولًا؛ بل انعكاس عام لمعاناة لاعبين يدركون أن الدوري السعودي، رغم الإنفاق الهائل، لا يملك البيئة الاحترافية ولا القوة الفنية التي تسمح للاعب بالارتقاء إنها شهادة من الداخل، من لاعب وصل لتوه إلى الدوري، لكنه أدرك سريعًا أن المشروع ليس مشروع تطوير كرة القدم، بل مشروع علاقات عامة تابع لإرادة سياسية تبحث عن بريق لا عن بناء المشكلة الأعمق أن الدوري لم يستطع خلق قيمة حقيقية، فلم يصبح تنافسيًا، ولم يصنع قاعدة جماهيرية خارج الحدود، ولم يدخل السوق العالمية كمنافس، ولم يحقق عوائد مالية تُقارب 10% من الإنفاق الهائل. ما يحدث هو استبدال دوري حقيقي بـ«استعراض يجري شراؤه»—استعراض لا يستطيع الصمود لأن أساسه هش، وجمهوره مُستورد، ولاعبيه يرحلون قبل أن يحفظوا أسماء الأندية، بينما العالم يشاهد حالتي الامتعاض والملل تتكرر مع كل صفقة جديدة وفي ظل هذا الفشل، يستمر النظام في الإنفاق، ليس لأنه يؤمن بمشروع رياضي، بل لأنه يعتقد أن كرة القدم يمكن أن تكون قناعًا يغطي الانهيار الاقتصادي. لكن الأقنعة تسقط، والنتائج تتحدث بصوت أعلى من كل الإعلانات.
«اقتصاد ينهار بالديون… ومشروع رياضي ينهار بالأكاذيب»
لا يمكن لأي دولة في العالم أن تجمع بين العجز المتصاعد، وبيع الأصول الحيوية، وتضخم الدين الخارجي، وارتفاع الاقتراض المصرفي، وفي الوقت نفسه تمضي في تبديد المليارات على لاعبين عابرين سيغادرون بعد أقل من موسم. ما يحدث ليس سياسة مالية، بل مقامرة سياسية، تحاول خلق وهم بأن البلاد قوية بينما اقتصادها يتآكل من الداخل والحقيقة التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها هي أن النظام السعودي يحكم بعقلية «الحفل المستمر»: مهما انهارت الأرقام، تُرفع الموسيقى. مهما تراجع الاقتصاد، تُشعل الملاعب. مهما امتلأت خزائن الدولة بالعجز، يُعلن عن صفقة جديدة لكن مثل كل استعراض، تصل لحظة تنطفئ فيها الأضواء، وتبقى الحقيقة وحدها في المشهد دولة تتراجع ماليًا… ونظام يهرب إلى كرة القدم ليخفي الانهيار الذي لم يعد بالإمكان ستره.






