اقتصاد مُثقَل بالاستعراض: حين يتباطأ المال وتُهدر المليارات في الترفيه والصفقات الخاسرة

اقتصاد مُثقَل بالاستعراض: حين يتباطأ المال وتُهدر المليارات في الترفيه والصفقات الخاسرة

لم تعد المؤشرات الاقتصادية في السعودية تتحرّك في اتجاه واحد متماسك، بل باتت تعكس ازدواجية صارخة بين واقع مالي يتجه نحو التباطؤ، وسياسات إنفاق تندفع بلا كوابح نحو الترفيه والرياضة والاستحواذات عالية الكلفة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير المتخصصة عن ضغوط متزايدة على القطاع المصرفي وارتفاع تكاليف التمويل، تستمر الدولة في ضخ أموال ضخمة في صفقات رياضية فاشلة ومشاريع ترفيهية لا تنتج قيمة اقتصادية حقيقية، وكأن الاقتصاد الحقيقي منفصل تمامًا عن اقتصاد الاستعراض.

التناقض هنا ليس نظريًا، بل ملموس في الأرقام والوقائع: بنوك تواجه هوامش ربح أضيق، لاعب كرة قدم كلف مئات الملايين ولم يقدّم مقابلًا، ومساعٍ لابتلاع شركات ترفيه عالمية في لحظة يفترض فيها شدّ الأحزمة لا توسيع المغامرات.

بنوك تحت الضغط: تباطؤ صامت خلف واجهة الاستقرار

بحسب تقرير حديث لموقع IBS Intelligence نقلًا عن مؤسسة ألفاريز آند مارسال، سجّل القطاع المصرفي السعودي أداءً مستقرًا شكليًا خلال الربع الثالث من عام 2025، لكنه استقرار يحمل في داخله مؤشرات تباطؤ واضحة. ارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع زخم نمو الودائع، بدآ يضغطان على الهوامش الربحية، في وقت باتت فيه البنوك أكثر حذرًا في إدارة السيولة والمخاطر.

صحيح أن الإقراض لا يزال متماسكًا، وأن جودة الأصول لم تنهَر، لكن هذه الصورة لا تخفي حقيقة أساسية: القطاع المصرفي لم يعد يتحرّك بالمرونة نفسها التي سادت سنوات الطفرة. ومع توسّع الاقتراض الحكومي، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، تجد البنوك نفسها عالقة بين تمويل الدولة، والحفاظ على ربحيتها، وتجنّب تحميل الاقتصاد مزيدًا من المخاطر.

هذا التباطؤ الصامت لا يُقرأ بمعزل عن السياسة الاقتصادية العامة. فحين تعتمد الدولة بشكل متزايد على الدين، وحين تُموَّل مشاريع أساسية بالقروض، يصبح القطاع المصرفي خط الدفاع الأول، لكنه أيضًا أول من يدفع ثمن الاختلالات إذا طال أمدها.

صفقات رياضية بلا عائد: كانسيلو نموذجًا لإهدار المال العام

في الضفة الأخرى من المشهد، تتجسّد المفارقة بأوضح صورها في صفقات كرة القدم. صفقة البرتغالي جواو كانسيلو مع نادي الهلال ليست مجرد انتقال لاعب لم ينجح، بل نموذج مكثّف لمنطق إنفاق منفصل عن أي حساب اقتصادي عقلاني. ثلاثون مليون دولار قيمة انتقال، وثمانية عشر مليون دولار راتب سنوي، ثم مشاركة هامشية انتهت بإعارته بعد موسمين إلى برشلونة مقابل مبلغ يقل كثيرًا عمّا دُفع فيه.

النتيجة أن النادي – المدعوم فعليًا من المال العام – تحمّل كلفة ضخمة مقابل عائد رياضي شبه معدوم، في وقت تُظهر فيه الأرقام أن اللاعب شارك في مباراتين فقط هذا الموسم، بتكلفة خيالية لكل دقيقة لعب. هذه ليست حالة فردية، بل جزء من نمط متكرر في إدارة الملف الرياضي، حيث يُنظر إلى الأسماء اللامعة بوصفها أدوات ترويج، لا استثمارًا طويل الأمد.

وحين تُقارن هذه الخسائر بوضع البنوك وضغوط التمويل، يبرز سؤال ثقيل: أي منطق اقتصادي يبرّر استمرار هذا النوع من الإنفاق بينما يُطلب من المجتمع تحمّل كلفة “الإصلاحات” وارتفاع الأسعار؟

الترفيه كبديل عن التنمية: من استضافة العروض إلى التفكير في الاستحواذ

الأمر لا يتوقف عند كرة القدم. فالتقارير المتداولة عن احتمال دخول هيئة الترفيه السعودية في مسار الاستحواذ على WWE تكشف عقلية توسّعية في قطاع الترفيه، تتجاوز الاستضافة والرعاية إلى التفكير في السيطرة والملكية. تصريحات محللين بأن إقامة عروض كبرى مثل “رويال رامبل” ليست سوى اختبار تمهيدي، تمهيدًا لاستحواذ محتمل، تعكس اندفاعًا استثماريًا عالي المخاطر.

هذه الرغبة في امتلاك منصات ترفيه عالمية تأتي في توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًا. فبدل توجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق وظائف مستدامة، أو تخفيف الاعتماد على النفط، يجري ضخ الأموال في صناعة قائمة على الاستعراض والحقوق الإعلامية، شديدة التقلّب، ومرتبطة بذائقة جماهيرية لا يمكن ضمان استقرارها.

الترفيه هنا لا يُقدَّم كقطاع مكمل، بل كبديل رمزي عن التنمية الحقيقية، وكأداة لإشغال الرأي العام، بينما تتراكم التحديات في العمق الاقتصادي.

اقتصاد بوجهين: صلابة مُعلَنة وهشاشة مُضمَرة

ما يجري اليوم في السعودية ليس أزمة واحدة، بل صورة مركّبة لاقتصاد بوجهين: وجه رسمي يتحدث عن الاستقرار والكفاءة والقدرة على امتصاص الصدمات، ووجه واقعي يكشفه تباطؤ البنوك، وارتفاع تكاليف التمويل، وإهدار المليارات في صفقات رياضية وترفيهية بلا عائد ملموس. هذا التناقض لا يمكن إخفاؤه طويلًا خلف الشعارات.

حين يُضغط القطاع المصرفي، ويُحمَّل المواطن كلفة الإصلاح، بينما يستمر الإنفاق الاستعراضي بلا حساب، يصبح السؤال ليس عن جدوى صفقة هنا أو استحواذ هناك، بل عن الاتجاه العام للاقتصاد. فإما أن يكون المال أداة لبناء قاعدة إنتاجية صلبة، أو يتحوّل إلى وقود لاقتصاد العرض المؤقت، الذي يلمع سريعًا ويخفت أسرع. الاستمرار في هذا المسار يعني تأجيل المواجهة مع الواقع، لا حلّه. والاقتصادات لا تسقط بالضجيج، بل بالتراكم الصامت للاختلالات، حتى تصبح كلفة التصحيح أعلى بكثير من كلفة الاعتراف المبكر بالمشكلة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية