اقتصاد يُستنزف لشراء النفوذ: كيف تحاول السعودية تعويض التدهور بشراء الولاءات

اقتصاد يُستنزف لشراء النفوذ: كيف تحاول السعودية تعويض التدهور بشراء الولاءات

مملكة الصورة… حين تُخفى الحقيقة خلف واجهات البريق
مملكة الصورة… حين تُخفى الحقيقة خلف واجهات البريق

لا يمكن قراءة التحركات المالية السعودية في السنوات الأخيرة بوصفها سياسات استثمارية طبيعية، بل كاستجابة ارتباكية لأزمة مركّبة تتفاقم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فبينما تتراجع المؤشرات الأساسية للاقتصاد، من نمو حقيقي واستقرار مالي وقدرة إنتاجية، تتجه الرياض إلى خيار واحد يتكرر بإلحاح: ضخ المال لشراء النفوذ، ونسج علاقات قائمة على الدفع لا على الشراكة المتوازنة. هذا المسار لا يعكس قوة مالية، بقدر ما يكشف هشاشة متزايدة تحاول السلطة تغطيتها بالإنفاق الخارجي، في وقت يتآكل فيه الداخل.

 اقتصاد يترنّح خلف واجهة الإنفاق

تشهد السعودية منذ 2024 تصاعدًا واضحًا في الضغوط الاقتصادية، تجلّى في توسع غير مسبوق في الاقتراض الخارجي، سواء على مستوى الدولة أو البنوك. فارتفاع وتيرة إصدار السندات، واقتراض المصارف السعودية عشرات المليارات من الأسواق الدولية، لا يعكس ازدهارًا بقدر ما يشير إلى فجوة تمويلية متنامية. هذه الفجوة نتجت عن نموذج إنفاق يعتمد على المشاريع العملاقة ذات العوائد المؤجلة أو المشكوك في جدواها، في مقابل تباطؤ الإيرادات غير النفطية وتذبذب أسعار الخام.

في الوقت نفسه، يعاني الاقتصاد الحقيقي من اختلالات بنيوية؛ بطالة بين الشباب، تراجع في القوة الشرائية، وتضخم يمسّ أساسيات المعيشة. هذه المؤشرات لا تُقابل بإصلاحات هيكلية عميقة، بل بمحاولات قفز فوق الأزمة عبر الاستدانة وضخ السيولة، ما يؤجل الانفجار ولا يعالجه. وهنا يتحول المال من أداة تنمية إلى أداة إسعاف مؤقت، تُستخدم للحفاظ على صورة الاستقرار لا على جوهره.

 شراء الولاء كسياسة خارجية

في ظل هذا التدهور، لم تعد السياسة الخارجية السعودية قائمة على بناء تحالفات استراتيجية متينة، بل على شراء القبول والدعم عبر المال والاستثمارات والعقود. تتجلّى هذه المقاربة في توسيع العلاقات المالية مع شخصيات نافذة وشبكات مصالح دولية، في محاولة لتعويض فقدان الثقة السياسية والحقوقية المتزايدة في السلوك السعودي.

هذا النمط يعكس تحوّل الدولة من فاعل إقليمي يمتلك أوراق قوة ذاتية، إلى ممول يسعى لتأمين الغطاء عبر الصفقات. المال هنا لا يُستخدم لتعزيز موقع اقتصادي طويل الأمد، بل لتسكين المخاوف السياسية، وشراء صمت أو دعم مؤقت. المشكلة أن هذا النوع من الولاءات هش بطبيعته؛ فهو مرتبط باستمرار الدفع، وينهار فور تعثر التدفقات المالية أو تغيّر المصالح.

الأخطر أن هذا السلوك يتزامن مع ضغوط داخلية حادة، ما يخلق فجوة أخلاقية وسياسية: موارد تُضخ في الخارج لشراء النفوذ، بينما يتحمّل المواطن في الداخل كلفة التقشف وارتفاع الأسعار وتآكل الخدمات.

 الرياضة والترفيه كأدوات إلهاء مكلفة

ضمن هذا السوحدهياق، يبرز الغسيل الرياضي والترفيهي كجزء من استراتيجية شراء الصورة والولاء الرمزي. فالمبالغ الضخمة التي تُدفع لاستقطاب نجوم الرياضة، أو لإطلاق دوريات ومشاريع ترفيهية لا تمتلك قاعدة جماهيرية حقيقية، لا تعكس نموًا اقتصاديًا صحيًا، بل هروبًا إلى الأمام. حين يقبل لاعب أو رياضي عالمي ملايين الدولارات، ثم يغادر فور توفر بديل أقل أجرًا لكنه أكثر استقرارًا، فإن الرسالة تكون واضحة: المال  لا يصنع مشروعًا مستدامًا.

هذا الإنفاق، بدل أن يبني قطاعًا رياضيًا أو ثقافيًا متجذرًا، يتحول إلى استنزاف إضافي للموارد، ويعمّق التناقض بين الخطاب الرسمي عن “تنويع الاقتصاد” والواقع الذي يُظهر اعتمادًا متزايدًا على المال الريعي لإنتاج مشاهد استعراضية قصيرة العمر.

 دولة تدفع أكثر مما تحتمل

ما تواجهه السعودية اليوم ليس أزمة سيولة، بل أزمة نموذج. نموذج يقوم على إنفاق كثيف، واقتراض متزايد، وشراء ولاءات خارجية، في مقابل اقتصاد داخلي يعاني من اختلالات عميقة لم تُعالج. محاولة تعويض التدهور بشراء النفوذ قد تنجح مؤقتًا في تأجيل الأسئلة الصعبة، لكنها لا تلغيها.

فالولاء الذي يُشترى بالمال يظل مشروطًا، والاقتصاد الذي يُدار بالاستدانة والاستعراض يظل هشًا أمام أي صدمة. ومع استمرار هذا المسار، تصبح الدولة أسيرة لدائرة مغلقة: تدهور داخلي يدفع إلى مزيد من الإنفاق الخارجي، وإنفاق خارجي يزيد الضغط على الداخل. والخطر الحقيقي ليس في حجم المال المُنفق، بل في غياب رؤية تُحوّل هذا المال إلى قيمة حقيقية، قبل أن يتحول الاستنزاف إلى عجز لا يمكن تغطيته بأي ولاءٍ مُشترى.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية