اقتصاد يُستنزَف ورياضة تُفرَض: حين تتكشّف كلفة الوهم السعودي

اقتصاد يُستنزَف ورياضة تُفرَض: حين تتكشّف كلفة الوهم السعودي

لم يعد ممكناً فصل ما يجري في المشهد الرياضي السعودي عن المسار الاقتصادي الأوسع الذي تمرّ به البلاد. فالأحداث المتفرقة—من قاعات رياضية صامتة تُحشَد فيها جماهير بلا شغف، إلى بنوك تستدين بوتيرة قياسية، إلى استثمارات عملاقة تتآكل قيمتها السوقية—تتجاور اليوم لتشكّل لوحة واحدة: نموذج إنفاق قائم على الفرض والدعاية، لا على الطلب الحقيقي أو الجدوى المستدامة. هذا التقرير يربط بين هذه الخيوط، ليبيّن كيف بات التدهور الرياضي انعكاساً مباشراً للاختلال الاقتصادي، وكيف تحوّلت الرياضة من أداة جذب إلى مرآة فاضحة لأزمة أعمق.

جمهور بلا رغبة رياضة بلا معنى

حادثة رمي السهام في الرياض ليست تفصيلاً هامشياً. تصريح اللاعب البريطاني ناثان أسبينال—حين قال إنه شعر بأن الجمهور «لم يكن هناك بمحض إرادته»—فضح ما تحاول الدعاية إخفاءه: نقل رياضة إلى بيئة لا تمتلك علاقة ثقافية أو جماهيرية بها، ثم محاولة صناعة حماس قسري عبر الحشد والتنظيم. مشاهد الهدوء الثقيل، وعدم التفاعل إلا في لحظات محددة (دخول اللاعبين، رمية 180، نهاية المباراة)، تؤكد أن المشكلة ليست في «حداثة التجربة» كما حاولت الجهات المنظمة تبريرها، بل في غياب الطلب من الأساس.

هذا النمط يتكرر. الرياضة تُستورد كاملة—قواعدها، نجومها، مهرجاناتها—ثم تُلقى في فضاء محلي بلا جذور، على أمل أن يصنع المال ما لم تصنعه الثقافة. النتيجة: فعاليات بلا روح، وحضور بلا شغف، ومشاهد تُحرَس أكثر مما تُحتفَل.

الغسيل الرياضي حين يصطدم بالواقع

المشكلة الأعمق أن هذا الفرض الرياضي ليس مشروعاً ثقافياً بقدر ما هو سياسة علاقات عامة. تُستعمل الرياضة لتلميع الصورة، وتصدير رواية «الانفتاح»، وتغطية اختلالات داخلية. لكن الرياضة—بعكس المؤتمرات والعروض—لا تُدار بالتصريحات وحدها. اللاعبون، والجمهور، والرعاة، يقيسون التجربة بمعايير بسيطة: التنافس، المعنى، الاستمرارية.

وحين يبدأ اللاعبون أنفسهم بالتشكيك في البيئة، وحين تُحذف المقاطع وتُخفّف التصريحات ببيانات تبريرية، فهذا دليل على أن المشروع فقد الثقة حتى لدى من يفترض أنهم واجهته.

لوسيد: الاستثمار الذي ينهار رغم الدعم

على الضفة الاقتصادية، تتكشّف الصورة بوضوح أكبر. شركة لوسيد—التي تعتمد كلياً على التمويل السعودي—تخطط لتوسيع التصنيع في المملكة، لكن الأرقام السوقية تروي قصة مختلفة: سهم أغلق عند مستويات منخفضة، وانخفاضات حادة على المدى القصير والطويل، تصل إلى تراجع يقارب 96% خلال خمس سنوات. هذه ليست تقلبات عابرة، بل انهيار قيمة يعكس فجوة بين الطموح المُعلن والواقع التشغيلي.

الرسالة هنا واضحة: ضخ الأموال لا يضمن النجاح إذا غابت الجدوى، وإذا لم تُبنَ سلاسل قيمة حقيقية، وإذا لم يتوافر طلب مستدام. نقل التصنيع إلى الداخل قد يبدو خطوة سيادية جذابة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة: نموذج أعمال لم يثبت نفسه في السوق، واعتماد شبه كامل على تمويل سيادي بدل تنافسية حقيقية.

البنوك تستدين علامة إنذار لا إنجاز

تزامناً، تسجّل البنوك السعودية وتيرة اقتراض دولي غير مسبوقة: نحو 33 مليار دولار في 2025، ثلاثة أضعاف العام السابق. هذا الرقم، الذي قد يُسوَّق على أنه «إدارة سيولة»، هو في الحقيقة إشارة إنذار. حين تتحوّل المصارف—المفترض أن تموّل الاقتصاد—إلى طالبة تمويل خارجي بهذه السرعة، فهذا يعني أن الطلب المحلي على القروض يفوق نمو الودائع، وأن السيولة تُستنزف بوتيرة أسرع مما يُعاد بناؤه.

التفسير الأقرب هو تضخم تمويل مشاريع ضخمة مرتبطة برؤية 2030، في وقت يتباطأ فيه نمو الإيداعات. النتيجة: ضغط على الهوامش، تعميق للمخاطر، وربط متزايد للاقتصاد بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الفائدة.—

ليس بعيداً عن ذلك، سجّل سوق الدين السعودي رقماً قياسياً في يناير مع جمع أكثر من 20 مليار دولار من السندات الدولية. مرة أخرى، يمكن قراءة الحدث كـ«ثقة الأسواق»، لكن القراءة النقدية ترى شيئاً آخر: لجوء متسارع للدين لتغطية فجوات تمويلية، وتمرير كلفة الحاضر إلى المستقبل. حين تتزامن الديون القياسية مع تباطؤ الإيداعات، وتراجع بعض الاستثمارات، وارتفاع كلفة التمويل، يصبح السؤال مشروعاً: إلى متى يمكن الاستمرار دون كلفة اجتماعية ومالية أكبر؟

ليف غولف: تغيير القواعد هروباً من الفشل

حتى في المشاريع الرياضية الأوضح تمويلاً، تتبدّى علامات التخبط. دوري ليف غولف—الذي بُني أصلاً على فكرة 54 حفرة (LIV)—يعتزم تغيير قواعده إلى 72 حفرة لمجاراة الجولات التقليدية. هذا التراجع الرمزي يكشف اعترافاً ضمنياً بالفشل في فرض نموذج مختلف. حين تُغيَّر الهوية لتشبه المنافسين، فهذا إقرار بأن «التميّز» لم يصمد، وأن الجمهور واللاعبين لم يقتنعوا بالصيغة المفروضة.

اعتراض لاعبين مثل بوبا واتسون ليس مجرد اختلاف تقني، بل اعتراض على فقدان المعنى: مشروع أُطلق كبديل، ثم عاد ليطلب الشرعية من النموذج الذي زعم تجاوزه.

ما يجمع هذه الوقائع—من رمي السهام إلى لوسيد، ومن ديون البنوك إلى تعديل قواعد الغولف—هو منطق واحد: فرض الواقع بالمال. تُفرَض الرياضة بلا جمهور، وتُفرَض الاستثمارات بلا سوق، وتُفرَض المشاريع بلا تمويل ذاتي مستدام. في المدى القصير، قد تُنتج هذه السياسة صوراً براقة وعناوين كبيرة. لكن في المدى المتوسط، تكشف الأرقام الحقيقة: غياب الطلب لا يُعوَّض بالإنفاق، وغياب الجدوى لا يُغطّى بالدعاية.

حين ينطق الصمت والأرقام

الصمت في المدرجات، وتراجع الأسهم، وتسارع الديون، وتغيير القواعد—كلها أصوات مختلفة لرسالة واحدة. السعودية لا تعاني نقص المال، بل نقص المعنى والطلب الحقيقي. الرياضة التي تُفرض لا تُحب، والاستثمار الذي يُموَّل بلا سوق لا يستدام، والاقتصاد الذي يعتمد على الدين ليواصل العرض سيصطدم حتماً بسقف الواقع. إن لم يتحول المسار من «الفرض» إلى «البناء»، ومن «الدعاية» إلى «الجدوى»، فإن ما نشهده اليوم ليس سوى بداية. المال قد يشتري الوقت، لكنه لا يشتري الإيمان. وحين يغيب الإيمان—من الجمهور، ومن السوق، ومن اللاعبين—تتكفل الأرقام بفضح الوهم، مهما ارتفع الصوت

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية