كلما ادعى النظام السعودي التحديث والانفتاح، سالت دماء جديدة تحت سيوف قضاءه المسيس. ففي زمن ولي العهد محمد بن سلمان، لم يعد تنفيذ الإعدامات مجرد إجراء قانوني، بل تحوّل إلى نظام حكم قائم على الرعب والتصفية الجماعية. تقرير منظمة العفو الدولية الأخير عن الإعدامات في السعودية يكشف حجم الوحشية التي ترتكبها سلطات الرياض بحق مواطنين وأجانب، نساءً ورجالاً، فقراء ومهمّشين، لا لشيء سوى أنهم وقعوا ضحية نظام قضائي ظالم، ومحاكمات جائرة، وغياب تام لأبسط معايير العدالة.
نظام بن سلمان يُتاجر بالموت
منذ وصول محمد بن سلمان إلى السلطة، تصاعدت معدلات الإعدام بوتيرة غير مسبوقة، بلغت ذروتها في عام 2024 حين نفذت السلطات 345 عملية إعدام – الرقم الأعلى منذ ثلاثة عقود بحسب منظمة العفو الدولية. نصف هؤلاء تقريباً حوكموا في قضايا لا تستحق أصلًا عقوبة الإعدام وفقًا للقانون الدولي، على رأسها قضايا المخدرات.
لكن الأخطر أن 75% من المعدمين في قضايا المخدرات كانوا من الأجانب، أي من العمالة الرخيصة التي تهاجر بحثًا عن حياة أفضل لتُستغل وتُعدم لاحقًا في صمت تام. هذه المقصلة لا تفرّق، لكنها تستهدف الفقراء والضعفاء، وأبناء الأقليات، لتُرسل رسالة واحدة: “القانون في المملكة سيف يُسلط على رقاب من لا يملكون حماية ولا صوت”.
قضاء مسيّس ومحاكمات مهينة
أدلة منظمة العفو الدولية تفضح الانهيار الكامل للعدالة في السعودية. لا محامون، لا ترجمة قانونية، لا اطلاع على الوثائق، لا معرفة بالتهم. يُحاكم المتهمون – وغالبًا من خلفيات اجتماعية وتعليمية متدنية – دون أدنى مقومات الدفاع عن النفس. وتُنتزع الاعترافات تحت التعذيب، كما في حالة حسين أبو الخير الذي أُجبر على التوقيع بعد تعرضه للضرب المبرح، ورغم تراجعه عن اعترافه، أُعدم دون رحمة.
يُحاكم الأجانب بلغة لا يفهمونها، أمام قضاة يستخدمون سلطتهم التعزيرية لتوقيع أقسى الأحكام، بعكس ما تدعيه القيادة السعودية عن التوجه لتقليل الإعدامات. في الواقع، المحاكمات تُستخدم أداة للقمع، لا لتحقيق العدالة. وبدلاً من إصلاح المنظومة، تُمنح سلطات تقديرية للقضاة تجعل من الإعدام خيارًا أولًا لا أخيرًا.
الإعدامات: وسيلة لضبط الداخل وتلميع الخارج
يقدّم محمد بن سلمان نفسه للمجتمع الدولي على أنه “المصلح الجريء” الذي ينقل بلاده نحو الحداثة، بينما يسوّق للمواطنين أن هذه الإعدامات تعني “الحزم في مكافحة الجريمة”. والحقيقة أن ما يجري هو إرهاب رسمي منظم يستخدم الإعدام كأداة سياسية، لتصفية الخصوم، وإخماد أي صوت معارض، خاصة من الأقلية الشيعية التي تمثل وحدها 42% من المُعدَمين في قضايا تتعلق بـ”الإرهاب”، رغم أن نسبتها في المجتمع لا تتجاوز 10-12%.
هذا التناقض يفضح نفاق النظام، ويكشف أن ما يُطلق عليه “مكافحة الإرهاب” ما هو إلا غطاء لتصفية الحسابات الطائفية، وتجريم النشاط السلمي، ووأد أي محاولة للاحتجاج أو التنظيم المدني.
أرقام صادمة تفضح البشاعة
من 2014 حتى منتصف 2025، نفذت السعودية 1,816 عملية إعدام، منها 597 في قضايا مخدرات. في يونيو 2025 وحده، أُعدم 46 شخصًا، منهم 34 أجنبيًا. معدلات تتجاوز إعدام شخص يوميًا تقريبًا، غالبيتهم دون محاكمة عادلة، وبدون تمثيل قانوني، وبعضهم تم إعلام أهله بالإعدام بعد تنفيذ الحكم!
والأسوأ: الجثث لا تُسلّم لعائلات الضحايا، وتُحتجز، في انتهاك سافر لحقوق الإنسان والممارسات الدينية. الحرمان من الجنازة، من الدفن، من الرثاء، هو تعذيب نفسي لعائلات المعدَمين، ويُمارس بدم بارد من دولة تزعم أنها “حامية الشريعة”.
الموت على الهوية والضعف
ضحايا المقصلة السعودية يشتركون في سمات واضحة: فقراء، أجانب، وأبناء أقليات. عشرات القصص المأساوية توثق كيف حُكم على أشخاص بالإعدام لأنهم لا يملكون مالًا لتوكيل محامٍ، أو لأنهم لا يتحدثون العربية، أو ببساطة لأنهم لا يملكون “ظهرًا” يحميهم من بطش النظام.
كلمات شقيقة حسين أبو الخير تُجسد هذه المأساة: “كنا منهارين… لا جنازة، لا وداع، فقط صمت وصراخ. هذا المشهد مزّق قلبي”. هل هذه هي الدولة التي تدّعي احترام الإنسان و”تمكين المرأة” و”حقوق العمال”؟
قتل القاصرين وصمة عار لا تمحى
حتى الأطفال لم يسلموا من سكاكين النظام. رغم أن السعودية دولة موقعة على اتفاقية حقوق الطفل، لا يزال سبعة شبّان معرضين للإعدام، بعضهم لا يتجاوز عمره 12 عامًا وقت الاتهام. أربعة أعيدت محاكمتهم وحُكم عليهم بالإعدام مجددًا. أي عدالة هذه التي تقتل طفلًا لم يبلغ؟ أي نظام هذا الذي يشرعن إعدام الأطفال ثم يزعم أنه “يحد من العقوبة”؟
هذه السياسات تفضح زيف “إصلاحات بن سلمان”، وتكشف أن حداثته لا تتجاوز الإنستغرام، بينما في غرف التحقيق، لا تزال أصوات التعذيب، والاعترافات المنتزعة بالقوة، والقرارات القضائية المجحفة، تفتك بالبشر كل يوم.
المجتمع الدولي شريك في الجريمة بصمته
رغم هذه الفضائح، لا يُمارس أي ضغط جاد على النظام السعودي. حكومات الغرب، التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، تواصل صفقات السلاح والتكنولوجيا مع نظام يقتل الأبرياء على مدار الساعة. الصمت الدولي لا يعني الحياد، بل تواطؤ صريح، يُغذي ماكينة القمع التي يديرها محمد بن سلمان.
أين موقف واشنطن؟ لندن؟ باريس؟ أين هي الأمم المتحدة التي تحذف تقاريرها من أجل النفط السعودي؟ الحقيقة المرة أن الأرواح البشرية أصبحت قابلة للمقايضة، والموت الرخيص لم يعد يزعج من يعتبرون أنفسهم “حماة القيم الليبرالية”.
حين تتحوّل العدالة إلى مقصلة: النظام السعودي يقتل باسم القانون
ما يحدث في السعودية اليوم ليس تطبيقًا للقانون، بل مسرحية إعدام جماعي يديرها نظام مستبد فاقد للشرعية. محمد بن سلمان، الذي يروّج لصورته كمصلح، لا يمكن فصله عن كل قطرة دم سُفكت ظلماً في ساحات الإعدام، وعن كل أمٍ فقدت ابنها دون وداع، وكل طفل يُقتل اسمه بمرسوم ملكي.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من دور السينما والمهرجانات، بل من قاعات المحاكم وسجون التعذيب. والنظام السعودي، رغم كل دعايته، يواصل دفن الحقيقة خلف السيوف، ويقتل العدالة مع كل جثة تُحجب عن ذويها.
المجزرة مستمرة، والعالم يتفرج.
لكن الحقيقة واضحة مهما حاولوا طمسها:
هذا ليس نظامًا يحكم.. بل جلادٌ يتلذذ بالدماء تحت عباءة القانون.






