في السنوات الأخيرة، كثّفت السلطات السعودية خطابها البيئي تحت مظلة “المبادرة السعودية الخضراء”، مقدّمة نفسها بوصفها لاعبًا إقليميًا طموحًا في مواجهة تغيّر المناخ، وزراعة الملايين من الأشجار، واستصلاح الأراضي، وخفض الانبعاثات. الأرقام تبدو ضخمة، والعروض الترويجية لافتة، والمؤتمرات الدولية حافلة بالشعارات الخضراء.
لكن خلف هذا المشهد المصقول، تتكشف رواية أخرى أقل بريقًا: رواية مجتمعات أُزيلت من أراضيها، وأحياء هُدمت فوق رؤوس ساكنيها، وأصوات أُسكتت تحت عناوين “التطوير” و”الاستدامة”. وبين خطاب البيئة وواقع الإخلاء القسري، تتسع فجوة أخلاقية يصعب تجاهلها.
البيئة كواجهة والمجتمع خارج المعادلة
تؤكد أوساط حقوقية أن تنفيذ الأجندة البيئية في السعودية يتم بشكل مركزي صارم، دون إشراك فعلي للمجتمعات المحلية المتأثرة بالمشاريع. فبينما تُعلن السلطات زراعة أكثر من 137 مليون شجرة، واستصلاح مئات آلاف الهكتارات، لا يظهر في البيانات الرسمية أي ذكر للثمن الاجتماعي لهذه المشاريع.
تُدار المبادرات البيئية كملفات سيادية، تُتخذ قراراتها في أعلى المستويات، ثم تُنفذ ميدانيًا دون آليات تشاور مستقلة أو مسارات طعن فعالة. والنتيجة أن الإخلاء والهدم يصبحان جزءًا من “التقدم الأخضر”، لا عقبة أخلاقية أمامه.
وفق تقارير منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”، فإن عمليات الهدم تُنفذ أحيانًا دون إشعار كافٍ، ودون تعويض عادل، ودون توفير بدائل سكنية ملائمة. في هذه الصيغة، تتحول الاستدامة إلى مشروع فوقي، يقيس النجاح بعدد الأشجار لا بعدد الأسر التي فقدت منازلها.
نيوم: المدينة الخضراء وسؤال العدالة
يُعد مشروع نيوم المثال الأكثر دلالة على هذا التناقض. تُسوَّق المدينة بوصفها نموذجًا عالميًا للتنمية المستدامة، تعتمد على الطاقة المتجددة، وتحترم الطبيعة، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة.
غير أن المشروع ارتبط منذ انطلاقه بتهجير واسع لأبناء قبيلة الحويطات من أراضيهم التاريخية في منطقة تبوك. أرقام رسمية تحدثت عن نقل آلاف الأفراد، فيما تشير منظمات مستقلة إلى أن عدد المتضررين قد يصل إلى عشرات الآلاف.
الشهادات المتداولة تتحدث عن ضغوط أمنية واعتقالات وترهيب، بل ومقتل أحد أبناء القبيلة عام 2020 أثناء اعتراضه على الإخلاء. كما صدرت أحكام سجن بحق محتجين سلميين، ووجّهت إليهم اتهامات ذات طابع أمني ثقيل.
هنا يظهر التناقض بوضوح: مدينة تُقدَّم كأيقونة للاستدامة، تُبنى فوق نزاع اجتماعي عميق. فهل يمكن لمشروع بيئي أن يكون مستدامًا وهو يقوم على اقتلاع سكانه الأصليين؟ وهل تُختزل الاستدامة في الطاقة الشمسية والعمارة الذكية، بينما يُقصى الإنسان من حساباتها؟
جدة التحديث عبر الجرافات
لا يقتصر النمط على المشاريع الجديدة. في جدة، نُفذت حملات هدم شملت أكثر من 60 حيًا، وأدت إلى تشريد مئات الآلاف. قُدِّمت العمليات ضمن خطاب “إزالة العشوائيات” وتحسين جودة الحياة، لكن التنفيذ الميداني كشف ثغرات واسعة في الإشعار المسبق والتعويض.
تضررت مجتمعات مهاجرة بصورة خاصة، إذ استُبعد كثيرون من برامج التعويض، ووجدوا أنفسهم بلا مأوى وبلا حماية قانونية. بعض الإخلاءات جرت خلال أيام قليلة، دون مسارات إنصاف واضحة.
في الخطاب الرسمي، تُصوَّر الأحياء المستهدفة كمناطق متدهورة أو مرتبطة بالجريمة، ما يسهّل تبرير الإزالة أمام الرأي العام. لكن هذا التوصيف يتجاهل الأسباب البنيوية لتدهور الخدمات، ويحمّل السكان مسؤولية واقع تشكل عبر عقود من التخطيط غير المتوازن.
التنمية القسرية مناخ بلا مجتمع
المفارقة أن المجتمعات التي تُهجر هي نفسها الأكثر هشاشة أمام آثار تغيّر المناخ. المناطق الريفية والبدوية والساحلية تعاني من موجات حر متزايدة وندرة مياه. بدل إشراك هذه المجتمعات كشركاء في التكيف المناخي، تُقصى لصالح مشاريع تستهدف جذب الاستثمار والسياحة.
بهذا المعنى، لا تُمارَس الاستدامة كعملية تشاركية، بل كبرنامج فوقي يُعاد فيه توزيع الأرض والموارد وفق أولويات اقتصادية كبرى. البيئة هنا تتحول إلى أداة لإعادة هندسة المجال العمراني والاجتماعي، لا إلى إطار لحماية الإنسان والطبيعة معًا.
من أبرز الإشكاليات غياب الرقابة المستقلة. لا توجد قنوات حقيقية للاعتراض أو التفاوض، ولا شفافية كاملة بشأن آليات التعويض. في كثير من الحالات، يتأخر التعويض أو يُمنع، ويُترك المتضررون أمام خيارات محدودة.
كما لا يُسمح بمراقبة مستقلة لمشاريع الإخلاء، ما يجعل الرواية الرسمية هي السائدة في الفضاء العام. وبينما تُبرز المؤتمرات الدولية صورة بلد يقود التحول البيئي في المنطقة، تبقى أصوات المتضررين محصورة في تقارير حقوقية خارجية.
هذا الخلل البنيوي يطرح سؤالًا أعمق: هل يمكن تحقيق انتقال بيئي عادل دون حوكمة شفافة ومشاركة مجتمعية فعلية؟ أم أن الاستدامة تصبح شعارًا فارغًا حين تُفصل عن حقوق الإنسان؟
استدامة بلا عدالة مشروع ناقص
لا شك أن مواجهة تغيّر المناخ ضرورة ملحّة، وأن إعادة التشجير واستصلاح الأراضي خطوات إيجابية من حيث المبدأ. لكن حين تُنفذ هذه السياسات على حساب حقوق السكان، تفقد بعدها الأخلاقي.
الاستدامة ليست مجرد أرقام تُعرض في المؤتمرات، ولا خرائط خضراء تُرسم فوق أراضٍ مأهولة. هي عملية توازن بين حماية البيئة وصون كرامة الإنسان. وحين يُقصى الإنسان من المعادلة، تتحول البيئة إلى واجهة تبرر سياسات إقصائية. إذا أرادت السعودية أن تُرسّخ موقعها كقوة بيئية إقليمية، فإن التحدي الحقيقي ليس في عدد الأشجار المزروعة، بل في ضمان ألا تُقتلع حياة الناس في الطريق. فالتحول الأخضر الذي لا يراعي العدالة الاجتماعية، يظل تحولًا ناقصًا مهما كان لونه أخضر






