لم يعد “موسم الرياض” مجرد فعالية ترفيهية، بل تحوّل إلى منصة رسمية لتطبيع الانحلال الأخلاقي واستيراد القيم الغربية الأكثر تناقضًا مع المجتمع، في وقت يقبع فيه آلاف السعوديين خلف القضبان بسبب تغريدة أو رأي.
ففي غضون شهر واحد فقط، شهدت العاصمة عروضًا كوميدية تصدم الوجدان الديني والاجتماعي، تؤديها شخصيات مثلية، وملحدة، ويهودية، في قلب بلدٍ ما زال يُعدم أبناءه بتهم “الإساءة للدين”.
هكذا تتجلى المفارقة الفاضحة في مشروع “الترفيه الجديد”: قمع في الداخل، وحرية مسرحية زائفة تُباع للغرب بالدولار.
الكارثة الأولى: المسرح الذي أعلن الشذوذ على الملأ
كانت البداية مع الكوميدية الأمريكية جيسيكا كيرسون، المعروفة بانتمائها العلني لمجتمع المثليين.
دعيت للمشاركة في مهرجان الرياض للكوميديا، لكنها — حسبما نقلت The Hollywood Reporter وPink News — اشترطت أن يُسمح لها بالتصريح علنًا عن ميولها المثلية على المسرح، وأن تقدم فقرات “تعكس هويتها” كما تفعل في عروضها في نيويورك.
وافقت هيئة الترفيه على الشرط.
وفي سابقة لم يعرفها تاريخ السعودية الحديث، صعدت كيرسون إلى المسرح وأعلنت أمام جمهورها:
“أنا أول كوميدية مثلية الجنس تعلن عن نفسها على المسرح في السعودية، وأتمنى أن يُساعد هذا مجتمع LGBTQ+ هنا على الشعور بالتقدير.”
تصفيق الجمهور لم يكن مفاجئًا، بل صُمم مسبقًا كجزء من المشهد الإعلامي الذي أراده تركي آل الشيخ: عرض صادم يقدّم “التسامح” كمنتج ترفيهي.
لكن الصدمة كانت في الخارج أيضًا، حيث اعتذرت كيرسون لاحقًا من جمهورها في أمريكا بعد انتقادات حادة، قائلة إنها “تأسف للمشاركة في حدث برعاية الحكومة السعودية” وقررت التبرع بأجرها لمنظمة حقوق إنسان — يُعتقد أنها تدعم المثليين.
المشهد اختصر ما يجري: النظام الذي يجرّم المثلية في القانون، يدفع من المال العام لاستقدام من يروّج لها على مسرح رسمي، ثم يعلنها إنجازًا في “حرية الترفيه”.
الكارثة الثانية: ملحد يهودي يهدد برسم النبي على المسرح
بعد أيام من عرض كيرسون، تداولت وسائل الإعلام تسجيلًا للكوميدي الأمريكي مارك نورماند (ملحد من عائلة يهودية) يتحدث في بودكاست أمريكي عن مشاركته في مهرجان الرياض للكوميديا قائلًا ساخرًا:
“سأرسم محمدًا على المسرح… وسيكون هذا ختام عرضي.”
العبارة لم تكن مجرد “نكتة” كما وصفها لاحقًا بعض المدافعين، بل إهانة متعمدة ومسبقة لرمز الإسلام في بلد يقدّم نفسه كحامٍ للحرمين.
لم يصدر أي تعليق رسمي من هيئة الترفيه أو وزارة الإعلام، ما يعكس أن الصمت هو جزء من سياسة “التطبيع مع الإهانة” مقابل الحفاوة الأجنبية.
أن يسمح النظام بدخول شخصية تعلن إلحاده وتسخر من المقدسات، بينما يسجن دعاةً لمجرد آرائهم، فذلك ليس تسامحًا بل ازدواجية أخلاقية مدفوعة بالولاء الغربي.
الكارثة الثالثة: لويس سي. كيه شهادة الغرب على انحلال المسرح
في مقابلة لاحقة مع برنامج Bill Maher، قال الكوميدي الأمريكي لويس سي. كيه — أحد المشاركين البارزين — إن المنظمين أبلغوهم بوضوح أن هناك قيدين فقط على المحتوى:
1. عدم السخرية من الحكومة أو العائلة المالكة.
2. عدم الحديث عن الدين الإسلامي.
أما ما عدا ذلك — الجنس، الشذوذ، الشتائم، السخرية من العادات والتقاليد — فمسموح بالكامل.
بكلماته هو، قال لويس:
“هناك امرأة مثلية يهودية أدت عرضها هناك وسط حفاوة ضخمة… لم يكن لديهم أي مشكلة مع ذلك.”
هذه الجملة وحدها تكفي لتكشف جوهر “الانفتاح السعودي”:
حرية كاملة في الانحلال، وصفر حرية في السياسة أو الفكر.
قيد على الكلمة، وانفلات على القيم.
الكارثة الرابعة: أوميد جليلي حين تُشترى السخرية بالريال
أما الكوميدي الأمريكي–الإيراني أوميد جليلي فقدّم فقرة مليئة بالسخرية من النقاب وقيادة النساء وبعض المظاهر الدينية، بل وصف سكان الرياض بأنهم “يعتقدون أنهم هدية الله للأرض”.
بحسب تقرير BBC، قوبل عرضه بضحك وتصفيق حار.
لكن في خلفية الصورة، كانت وزارة الداخلية السعودية لا تزال تحتجز مغرّدين كتبوا نكاتًا عن هيئة الترفيه أو عن الأسعار!
يقول شاهد عيان تحدث ل بي بي سي باسم مستعار “زين”:
“كل سعودي يحضر عرضًا كهذا سيتعلم شيئًا عن المثليين والمتحولين والجنس… المؤدون يتحدثون بانفتاح عن كل شيء — باستثناء الحكومة.”
كلمة “باستثناء الحكومة” تختصر سياسة الترفيه بالكامل:
حرية الجسد مسموحة، حرية الفكر ممنوعة.
الكارثة الخامسة: “ثقافة بلا أخلاق” كأداة للتبييض السياسي
من مهرجان الموسيقى إلى الكوميديا إلى عروض المصارعة، يتّضح أن النظام السعودي يتبنّى استراتيجية متكاملة لتطبيع الانحلال باسم الانفتاح.
هيئة الترفيه أصبحت وزارة دعاية ناعمة، تستورد رموز “الثقافة الغربية” لتغيير شكل المجتمع قسرًا، بينما تُغلق كل النوافذ على الحرية الحقيقية.
خلف هذه السياسة ثلاثة أهداف واضحة:
1. تبييض السمعة بعد فضائح القمع والاغتيالات (خاشقجي نموذجًا).
2. إلهاء الداخل بمواسم الترفيه عن الأزمات الاقتصادية المتراكمة.
3. إرضاء الغرب عبر تبنّي رموز “التحرر” الثقافي، ولو كان على حساب الدين والهوية.
إنها نسخة سعودية من “الخبز والسيرك”:
حين تعجز عن تحقيق العدالة، قدّم للجماهير عروضًا تضحكهم على أنقاض قيمهم.
تآكل الوعي وشراء الصمت
ما يحدث في موسم الرياض ليس فقط أزمة أخلاقية، بل تجريفٌ ممنهج للوعي الشعبي.
جيل جديد يُربّى على “ثقافة المشاهدة” لا على الإنتاج، على “التسلية” لا على المسؤولية.
في المقابل، تتقلص المساحات العامة للحوار أو النقاش، ويُترك الناس بين مطرقة الرقابة وسندان الترفيه الفارغ.
النتيجة أن الهوية السعودية تُعاد هندستها من الأعلى: لا دين، لا قيم، بل “موسم دائم” من الدعاية، يُقاس النجاح فيه بعدد المشاهدات لا بعدد الأفكار.
الترفيه كبديل عن السياسة
حين يروّج النظام لـ“حرية المسرح”، فهو في الحقيقة يصنع بديلًا عن حرية الكلمة.
بدل أن يُسمح للناس بالنقاش حول الموازنة، البطالة، الفساد، أو قضايا فلسطين، تُقدّم لهم نكات عن “العلاقات” و”المتحولين”.
من يراقب الإعلام السعودي الرسمي يرى كيف تُقدَّم أخبار المهرجانات والعروض باعتبارها “منجزات وطنية”، بينما تغيب تمامًا التقارير عن الأزمات الاقتصادية والعجز المالي المتفاقم.
إنه استبداد ترفيهي:
حكم مطلق بوجه مبتسم، ونظام قمعي يتخفّى خلف أضواء المسرح.
في الشهر ذاته الذي سُمح فيه للمؤدية المثلية بالصعود على المسرح، كان النظام يحاكم شابًا شيعيًا بالسجن 25 عامًا بسبب تغريدة قديمة على تويتر، ويعتقل ناشطة تحدثت عن المعتقلين السياسيين.
هكذا تُقاس الحرية في “المملكة الجديدة”:
حرية للشذوذ إذا كانت برعاية هيئة الترفيه.
ولا حرية للرأي إذا كانت ضد السلطة.
إنها سياسة الأخلاق الانتقائية: تُمنح الحرية للأجانب في مقابل الأموال والدعاية، وتُسلب من المواطنين باسم الولاء والانضباط.
الانحلال كاستراتيجية حكم
ما يجري في موسم الرياض ليس صدفة ولا مجرد انحراف إداري، بل خطة سياسية مكتملة الأركان لفرض ثقافة جديدة تُخدّر المجتمع وتُغسل بها سمعة النظام دوليًا.
من السماح للمثليين بالإعلان عن أنفسهم على مسرح حكومي، إلى استقدام ملحدين يسخرون من الرموز الدينية، إلى توجيه الفن لخدمة السلطة،
يتحول “الانفتاح” إلى مشروع لإعادة تشكيل الضمير الجمعي وفق ما يناسب صورة ابن سلمان أمام الغرب، لا ما يناسب قيم المجتمع.
تحت أضواء الرياض البراقة، هناك ظلمة داخلية تتسع:
ظلمة القهر، والازدواجية، والانحطاط القيمي الذي يُباع على أنه “تقدم”.
الذين يصفقون اليوم لجيسيكا كيرسون لا يدركون أنهم يصفقون لسقوط آخر حصون الهوية، وأن الضحك الذي يملأ المسارح ما هو إلا موسيقى جنازة تُعزف على جثمان الوعي العربي في جزيرةٍ كانت يومًا مهد الرسالة.






