الترفيه الانتقائي: حين تُعلَّق القواعد ويُعاد تعريف الأعراف على المسرح

الترفيه الانتقائي: حين تُعلَّق القواعد ويُعاد تعريف الأعراف على المسرح

المشهد الذي افتتح به موسم “ساوندستورم مدل بيست” في الرياض لم يأتِ بوصفه حفلة موسيقية عادية، بل كرسالة سياسية-ثقافية مكتملة العناصر، تُظهر كيف تُدار التحولات الاجتماعية بقرار فوقي لا يخضع لمعايير ثابتة ولا لخطاب واحد. على المسرح ظهرت أسماء عالمية بعروض وملابس تتجاوز ما قيل إنه “ممنوع”، وفي الخلفية بقيت اللوائح التي نُشرت قبل أيام شاهدة على مفارقة صارخة بين ما يُعلن وما يُمارس. ما حدث لم يكن صدفة تنظيمية، بل نتاج مقصود لسياسة ترفيهية تقوم على الاستثناء، وتعيد تشكيل المجال العام عبر الصدمة والازدواجية.

القواعد المكتوبة التي سقطت مع أول أغنية

قبل انطلاق المهرجان، حرصت حسابات “مدل بيست ساوندستورم” على نشر قائمة واضحة بما أسمته “الملابس غير المسموح بها”، متضمنة حظر الأقمشة الشفافة، ومنع التنانير أو الشورتات فوق الركبة، ورفض الظهور بملابس داخلية أو بكيني. هذه التعليمات قُدِّمت بنبرة حازمة، وكأنها محاولة لطمأنة الداخل بأن الانفتاح مضبوط ومراقَب. غير أن اليوم الأول للمهرجان نسف هذا الخطاب بالكامل. المغنية الجنوب أفريقية تايلا اعتلت المسرح بملابس ضيقة وشفافة تُظهر ملابسها الداخلية، وقدّمت وصلة رقص وُصفت بأنها جريئة ومخالفة للأعراف السائدة، دون أي تدخل أو اعتراض من الجهة المنظمة.

التناقض هنا لا يتعلق بذوق فني أو رأي أخلاقي، بل بسقوط مفهوم “التنظيم” نفسه. القواعد لم تُكسر من قبل الجمهور، بل من قبل الحدث الذي صاغها. حين تُفرض القيود على الحضور العادي، وتُرفع عن الفنانين المستقدمين للترويج، يصبح التنظيم أداة انتقائية تُستخدم لضبط من هم خارج دائرة العرض، لا لضبط المحتوى نفسه. الرسالة الضمنية واضحة: القاعدة مرنة عندما تخدم الصورة، وصلبة عندما تُفرض على المجتمع.

الترفيه بوصفه أداة صدمة لا مساحة ثقافة

ما يجري في “ساوندستورم” يعكس نمطًا أوسع تتبعه هيئة الترفيه، يقوم على استيراد عروض صادمة بوصفها دليل حداثة، لا باعتبارها جزءًا من مشروع ثقافي متدرّج. استضافة فنانات مثل تايلا، ثم كاردي بي، المعروفة بأغانيها البذيئة وصورتها الاستفزازية، لا تأتي ضمن حوار مجتمعي أو مسار تراكمي، بل تُلقى دفعة واحدة على مسرح ضخم وتُقدَّم كعنوان “انفتاح”.

كاردي بي، في أول ظهور لها في السعودية، اختارت فستانًا شبيهًا بزي الراهبات مع أكتاف مكشوفة، في محاكاة ساخرة للّباس المحتشم، وكتبت تعليقًا قالت فيه: “أهلًا بالسعودية. حلال بي قد وصلت.” هذا الخطاب، الذي يمزج السخرية بالاستعراض، لم يُقابل بأي تحفظ رسمي، بل جرى احتفاؤه ضمن سياق دعائي أوسع. المغنية نفسها تحدثت لاحقًا عن أن الصغار والكبار يعرفونها ويعاملونها “كما لو كانت ملكتهم”، وهو تصريح يكشف كيف تُصنع القدوات الجديدة بقرار من أعلى، دون اعتبار للسياق الثقافي أو الاجتماعي.

الأكثر دلالة أن كاردي بي ذكرت أن الحكومة السعودية طلبت منها الأداء سابقًا لكنها رفضت بسبب “القيود على النساء والمثليين”، قبل أن تعود اليوم وتعلن أن البلد “انفتح كثيرًا”. هنا يتحول الفن إلى شهادة سياسية، تُستخدم لتسويق صورة الإصلاح للخارج، حتى لو كان المحتوى نفسه يصطدم مع الخطاب الأخلاقي الذي لا تزال السلطة ترفعه في ملفات أخرى.

صناعة القدوة والازدواجية في الخطاب الأخلاقي

حين تتحول منصة رسمية إلى مسرح لصناعة قدوات عالمية معروفة بخطابها الجنسي الصريح، فإن السؤال لا يعود عن حفلة أو فستان، بل عن الرسالة الموجهة لجيل كامل. في الوقت الذي تُقيَّد فيه حرية التعبير لأفراد عاديين، وتُفرض معايير صارمة على السلوك العام في مجالات متعددة، يُفتح المسرح لعروض تتجاوز تلك المعايير نفسها. هذا التناقض يُفرغ أي حديث عن “القيم” من معناه، ويحوّلها إلى لافتة موسمية تُرفع أو تُزال بحسب الحاجة الترويجية.

الدفاع الشائع عن هذه الفعاليات يقول إنها “مناسبات خاصة” لا يُقاس عليها. غير أن هذا المنطق يتهاوى أمام حقيقة أن الجهة التي تنظّم هذه المناسبات هي نفسها التي تضع القوانين العامة وتدّعي حماية الأعراف. لا يمكن تجزئة الأخلاق إلى مناطق معزولة، ثم مطالبة المجتمع بالتماسك. القيم، إن كانت حقيقية، لا تُعلَّق عند بوابة مهرجان ولا تُستثنى من أجل صورة أو تقرير في صحيفة أجنبية.

الأخطر أن هذا النهج يخلق شعورًا عامًا بالازدواجية: المواطن مُطالَب بالامتثال، والفنان المستقدم يُمنح الاستثناء. ليست المشكلة في الفن بحد ذاته، بل في انتقائية السلطة التي تُعرّف ما هو مقبول وما هو مرفوض وفقًا لمن يقف على المسرح ومن يجلس تحته.

«انفتاح بلا معايير… وسلطة تكسر ما تُشرّع»

ما كشفه موسم “ساوندستورم” ليس مجرد تناقض عابر، بل خلل بنيوي في إدارة التحول الاجتماعي. سلطة تُعلن القواعد ثم تتجاوزها، وتطالب المجتمع بالانضباط بينما تمارس الاستثناء علنًا، لا تبني انفتاحًا، بل فوضى مُدارة. المسرح هنا لم يعد مساحة ترفيه، بل أداة لإعادة تعريف الأعراف بالقوة الناعمة، دون نقاش أو توافق. في هذا المشهد، يرى المجتمع التناقض بوضوح، حتى لو طُلب منه الصمت. وحين تتحول هيئة التنظيم إلى جهة تبرير، يفقد الخطاب الرسمي مصداقيته، ويصبح “الانفتاح” عنوانًا بلا بوصلة. الدولة التي تريد إعادة تشكيل الذوق العام لا يمكنها أن تفعل ذلك بكسر قواعدها علنًا، لأن القيم التي تُدار بالاستثناء لا تصنع ثقة، بل تعمّق الفجوة بين الخطاب والممارسة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية