“التريليون الذي لا وجود له: كيف تحوّل وعد ابن سلمان لترامب إلى فضيحة مالية مفتوحة تكشف فراغ خزائن الرياض”

“التريليون الذي لا وجود له: كيف تحوّل وعد ابن سلمان لترامب إلى فضيحة مالية مفتوحة تكشف فراغ خزائن الرياض”

ابن سلمان وترامب
ابن سلمان وترامب

يوم خرج محمد بن سلمان من المكتب البيضاوي معلنًا أن السعودية ستستثمر تريليون دولار في الولايات المتحدة، بدا المشهد مصمّمًا بعناية لإبهار الرأي العام وتضخيم صورة ولي العهد أمام الرئيس الأميركي ووسائل الإعلام، لكن ما إن هدأت الكاميرات حتى كشفت نيويورك تايمز، في تقرير نشرته هذا الأسبوع، الجانب الذي حاول ابن سلمان إخفاءه: صندوق الاستثمارات العامة يعاني نقصًا شديدًا في السيولة، إلى درجة تجعل وعود التريليون تبدو أشبه بعرض مسرحي ضخم لا يملك منتجوه ثمن خشبته. وبينما صيغ الوعد في واشنطن بلغة الثقة، تتداول أروقة السلطة في الرياض ومسؤولو “وول ستريت” الهمسات نفسها: “الصندوق فارغ والالتزامات أكبر من قدرة الدولة على الدفع”. إن ما جرى في العاصمة الأميركية لم يكن اتفاقًا اقتصاديًا، بل عملية تجميل ضخمة تُخفي داخلها أسوأ أزمة سيولة تواجهها المملكة منذ تأسيس الصندوق.

“صندوق بلا نقود المشاريع الضخمة التي التهمت كل شيء”

عندما تقول نيويورك تايمز — وفق ما نشرته بتاريخ هذا الأسبوع — إن صندوق الاستثمارات العامة، الذي يعدّ الركيزة الاقتصادية لرؤية ابن سلمان، يعاني من نقص حاد في السيولة، فإنها لا تُطلق حكمًا سياسيًا، بل تنقل حقائق تأتي من داخل الصندوق نفسه، من موظفين وممثلين ومديري أصول تعاملوا مع السلطة المالية الأعلى في المملكة. هؤلاء أكّدوا أن السبب الجوهري للأزمة هو أن ابن سلمان ونوّابه أنفقوا جزءًا كبيرًا من أموال الدولة على مشاريع تعاني الآن من ضائقة مالية مُنهِكة، مشاريع ضُخّمت في الإعلام، ونُفخت أرقامها في المؤتمرات، لكنها على الأرض تكاد لا تتجاوز كونها هياكل إسمنتية مُهملة، أو مدنًا بلا سكان، أو مبادرات توقفت قبل أن تبدأ.

إن ما يحدث اليوم هو أن الصندوق، الذي لطالما استخدمه ولي العهد لسداد التزاماته الخارجية وتمويل مغامراته السياسية والاقتصادية، أصبح عاجزًا حتى عن ضمان استثمارات جديدة، بل إن ممثليه — كما ذكرت الصحيفة — أخبروا كبار مديري الأصول أن أي تمويل مستقبلي لن يُمنح إلا مقابل إنقاذ استثمارات قديمة فاشلة، وكأن الصندوق لم يعد محركًا للنمو، بل جثةً مالية تحتاج من ينعشها. إن هذه الوضعية تكشف زيف الدعاية الرسمية التي تروّج لصندوق استثماري “عملاق”، بينما هو في الواقع كيان مُثقَل بالإنفاق المتهور، يتآكل تحت وطأة الالتزامات المحلية، ويترنح أمام مشروعات بحجم يفوق طاقة دولة.

“اقتصاد مُعطَّل نفط لا يكفي، واتفاقيات تخنق القدرة الإنتاجية”

صحيح أن المملكة “غنية بالنفط”، لكن هذه الجملة التي تكررها الدعاية السعودية تخفي حقيقة أخرى أكثر وجعًا: قدرة السعودية على ضخّ النفط مقيّدة بشدة نتيجة اتفاقيات خفض الإنتاج التي فرضتها حسابات الرياض الجيوسياسية، في وقت ينخفض فيه سعر الخام عالميًا. هذا ما يشير إليه تقرير تايمز بوضوح، موضحًا أن الثروة النفطية لم تعد متاحة كما يتخيل الجمهور، وأن العائدات أصبحت غير قادرة على تغطية نزيف الإنفاق اليومي.

وليس هذا فقط، فالأزمة تتعمق مع عجز الميزانية المتنامي عامًا بعد عام، ومع اعتماد الحكومة على الاقتراض لتمويل وعود ابن سلمان الداخلية. وهذا ما يعززه الخبير الاقتصادي في مجلس العلاقات الخارجية براد سيتسر، الذي قال — بحسب ما نقلته الصحيفة — إن الصندوق عاجز عن توفير السيولة ببساطة لأن الالتزامات المحلية التهمت كل شيء. ويضيف أن سعر تعادل ميزان المدفوعات السعودي، الذي كان نحو 60 دولارًا للبرميل خلال فترة ترامب الأولى، قفز اليوم إلى ما بين 90 و100 دولار، وهو رقم يضع رأس السعودية المالي على حدّ السكين.

إن اقتصادًا تحكمه هذه الأرقام لا يمكنه أن يقدّم تريليون دولار لواشنطن، بل بالكاد يستطيع سداد التراكمات التي صنعتها رؤية 2030: مدن خيالية، مشاريع متوقفة، قطارات لم تُشغّل، ومناطق ترفيهية تكلفت مليارات قبل أن تهجرها الشركات الأجنبية.

“من مصدر للمال إلى مُقترض صافي: التحول الذي خشي النظام الاعتراف به”

لعلّ أخطر ما كشفه التقرير هو ما ذكره كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبيرغ، زياد داود، الذي أكد — وفق تحليله المنشور هذا الأسبوع — أن السعودية لم تعد “مصدّرًا لرأس المال” كما كانت لسنوات، بل أصبحت مقترضًا صافيًا من العالم، وأن تحوّلها بهذه السرعة من ضخ المال إلى طلبه يشير إلى أزمة وجودية في إدارة الاقتصاد السياسي للمملكة.

يشير داود إلى أن تعهّد ابن سلمان لترامب برفع الاستثمارات إلى تريليون دولار ليس فقط غير قابل للتحقق خلال ولاية ترامب الحالية، بل إن تحويل أصول الصندوق الحاليّة إلى الولايات المتحدة أمر غير واقعي، وأن تدفقات التجارة أصغر بكثير من أن تُنتج هذا الحجم من الاستثمار.

هذه الحقيقة تفتح السؤال الذي يخشاه النظام:
 كيف يَعِد ابن سلمان العالم بتريليون دولار بينما صندوقه الأكبر يفتقر للسيولة، وحكومته تقترض بكثافة، ودَينها الخارجي يقترب من تجاوز الاحتياطيات لأول مرة في التاريخ؟

إن هذا التحول من دولة تُقرض العالم إلى دولة تبحث عن قروضه يكشف انهيار نموذج اقتصادي كامل، ويكشف كيف تحولت “رؤية 2030” إلى شبكة مشاريع تبتلع كل ما يمر بها دون أن تُعيد شيئًا.

“التريليون الذي سقط قبل أن يولد… وصندوق بلا روح يحكمه أمير بلا حساب”

في النهاية، يتضح أن ما قدمه ابن سلمان في واشنطن لم يكن وعدًا اقتصاديًا، بل مسرحية سياسية تهدف إلى إظهار القوة أمام الإدارة الأميركية، بينما الحقائق التي كشفتها نيويورك تايمز تكشف هشاشة غير مسبوقة في بنية صندوق الاستثمارات العامة، وتثبت أن المملكة تعيش أكبر أزمة سيولة منذ تأسيس الصندوق، وأن الدولة التي رفعت شعار “التحول الاقتصادي” أصبحت عاجزة عن تمويل مشروعاتها الداخلية قبل أن تمد يدها للعالم.

الصندوق الذي كان يُفترض أن يكون محركًا لرؤية 2030 أصبح اليوم عبئًا عليها، والمملكة التي كانت تشتري النفوذ أصبحت تقترضه، والوعود التي كانت تُعلن بمليارات الدولارات صارت مجرد هواء ساخن يتلاشى بمجرد مغادرة منصة المؤتمر.

لقد سقط “تريليون ابن سلمان” قبل أن يولد، لأن صندوقه لا يملك مالًا، ولأن اقتصاده لا يتحمل، ولأن وعوده لا تُبنى على حقائق، بل على رغبة أمير يريد أن يصنع صورة مهما كانت تكلفة الحقيقة.

وفي كل ذلك، تبقى الخلاصة واضحة:
 نظام يعلن التريليونات في واشنطن بينما يحاول إخفاء عجزه في الرياض.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية