البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“التطبيع من تل أبيب”أصوات سعودية تهاجم الداخل وتسوّق للارتباط بإسرائيل على منصاتها الإعلامية

“التطبيع من تل أبيب”أصوات سعودية تهاجم الداخل وتسوّق للارتباط بإسرائيل على منصاتها الإعلامية

خطاب يُبث من الخارج، موجّه لجمهور مختلف، ويحمل رواية تتناقض مع الخطاب الرسمي داخل البلاد. ظهور عبدالعزيز الخميس مجددًا على الإعلام الإسرائيلي لم يكن مجرد مشاركة إعلامية عابرة، بل حلقة جديدة في مسار يتكرّر بشكل لافت، حيث تتحول بعض الأصوات السعودية إلى أدوات خطابية داخل منصات إسرائيلية، تدعو إلى التطبيع وتنتقد الداخل السعودي في الوقت ذاته، في مشهد يكشف تحولات أعمق في طبيعة الخطاب السياسي المرتبط بنظام محمد بن سلمان.

التصريحات التي أطلقها الخميس، واصفًا الوضع بأنه “مرحلة اضطراب استراتيجي لدى صانع القرار السعودي”، لا يمكن فصلها عن السياق الذي قيلت فيه. الحديث لم يكن موجّهًا لجمهور محلي أو عربي، بل لجمهور إسرائيلي، ما يضفي على الخطاب دلالة سياسية مختلفة، حيث يتم تقديم قراءة داخلية من منصة خارجية، بما يخدم سردية محددة حول ضرورة إعادة تشكيل العلاقات في المنطقة.

الإعلام الإسرائيلي كمنصة خطاب بديل: لماذا يُقال هذا الكلام هناك؟

تكرار ظهور شخصيات سعودية على القنوات الإسرائيلية لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من نمط واضح، حيث يتم استخدام هذه المنصات لتوجيه رسائل لا يتم طرحها بنفس الصراحة داخل السياق المحلي. هذا التحول يعكس رغبة في مخاطبة جمهور محدد، وفي الوقت ذاته اختبار ردود الفعل دون التزام رسمي.

تقارير سابقة، منها ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز في 18 سبتمبر 2023، أشارت إلى أن بعض الدول في المنطقة تلجأ إلى قنوات إعلامية غير مباشرة لتهيئة الرأي العام نحو تغييرات سياسية كبرى، مثل التطبيع. هذا النمط يعتمد على “التدرج”، حيث يتم تقديم الأفكار عبر أصوات غير رسمية، قبل الانتقال إلى خطوات سياسية معلنة.

في هذا السياق، يصبح ظهور الخميس جزءًا من هذا المسار، حيث يتم طرح فكرة التطبيع ليس كخيار سياسي فقط، بل كضرورة استراتيجية، في محاولة لإعادة صياغة النقاش حوله.

نقد الداخل من الخارج: خطاب يخدم من؟

اللافت في تصريحات الخميس ليس فقط الدعوة إلى التطبيع، بل مهاجمة الوضع الداخلي ووصفه بالاضطراب، وهي لغة تحمل دلالات سياسية واضحة. هذا النوع من الخطاب، عندما يُطرح من منصة إسرائيلية، لا يمكن اعتباره مجرد رأي، بل يصبح جزءًا من سردية تُبنى أمام جمهور خارجي.

هذا الأسلوب يطرح تساؤلات حول الهدف من هذا الخطاب. نقد السياسات الداخلية في حد ذاته ليس إشكاليًا، لكن توجيهه من منصة خارجية، وفي سياق دعوة لتغيير التحالفات، يضعه في إطار مختلف، حيث يتحول إلى أداة ضمن نقاش إقليمي أوسع.

التجارب السابقة تشير إلى أن هذا النوع من الخطاب يُستخدم أحيانًا لتبرير تحولات سياسية. تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 9 مارس 2024 تحدث عن ضغوط أمريكية لدفع النظام السعودي نحو التطبيع، وهو ما يجعل هذه التصريحات جزءًا من بيئة سياسية أوسع، يتم فيها تهيئة الأرضية عبر الإعلام.

التطبيع كحل للأزمة: إعادة صياغة الأولويات

الربط بين “الاضطراب الاستراتيجي” والدعوة إلى التطبيع يكشف محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، حيث يتم تقديم العلاقة مع إسرائيل كجزء من الحل، وليس كقضية منفصلة. هذا الطرح يعكس تحولًا في الخطاب، حيث لم يعد التطبيع يُطرح كخيار ثانوي، بل كمسار رئيسي.

هذا التوجه يتقاطع مع تقارير دولية تحدثت عن استخدام الاقتصاد والأمن كمدخل لإعادة تشكيل العلاقات في المنطقة. تقرير لوكالة بلومبرغ في 15 نوفمبر 2023 أشار إلى أن الشراكات الاقتصادية تُستخدم لتعزيز التحالفات السياسية، وهو ما يفسر ربط التطبيع بمفاهيم مثل الاستقرار والاستراتيجية.

لكن هذا الطرح يتجاهل التناقض بين الخطاب الرسمي الذي لا يزال يتحفظ على الإعلان الكامل عن العلاقات، وبين هذه الدعوات العلنية. هذا التناقض يعكس حالة من الازدواجية، حيث يتم التحرك في اتجاه معين، دون الإعلان عنه بشكل صريح.

خطاب بلا مساءلة: من يحدد اتجاه النقاش؟

أحد أبرز ملامح هذا النوع من الخطاب هو غياب المساءلة. التصريحات التي تُطلق من الخارج لا تخضع لنفس مستوى النقاش أو النقد الذي قد تواجهه داخليًا، وهو ما يسمح بطرح أفكار حساسة دون مواجهة مباشرة.

هذا الوضع يخلق بيئة يمكن فيها إعادة تشكيل النقاش العام بشكل غير مباشر، حيث يتم إدخال مفاهيم جديدة تدريجيًا، دون أن تكون جزءًا من حوار داخلي مفتوح. هذا النمط يعكس طريقة إدارة الملفات الحساسة، حيث يتم اختبار الأفكار قبل تحويلها إلى سياسات.

في هذا السياق، يصبح الإعلام الخارجي مساحة بديلة للنقاش، يتم من خلالها تمرير رسائل قد لا تكون مقبولة في الداخل بنفس الشكل.

خطاب على منصات الآخرين”حين يُعاد تشكيل السياسات خارج حدودها

الظهور المتكرر لأصوات سعودية على الإعلام الإسرائيلي لا يمكن قراءته كحالات فردية، بل كجزء من مسار أوسع، يتم فيه استخدام المنصات الخارجية لإعادة صياغة الخطاب السياسي. الدعوة إلى التطبيع، وربطها بحالة “اضطراب استراتيجي”، يعكس محاولة لإعادة تعريف الأولويات، وتقديم خيارات جديدة على أنها ضرورات.

هذا المسار، الذي يُدار خارج الإطار المحلي، يكشف عن طريقة مختلفة في التعامل مع القضايا الحساسة، حيث يتم الانتقال من الخطاب الرسمي إلى خطاب غير مباشر، ثم إلى سياسات معلنة. في هذه العملية، يصبح السؤال ليس فقط عن مضمون التصريحات، بل عن المكان الذي تُقال فيه، والجمهور الذي تُوجَّه إليه. الحقيقة التي تتشكل من هذه الوقائع أن النقاش لم يعد محصورًا داخل الحدود، بل يُدار في مساحات خارجية، حيث تتقاطع المصالح وتُعاد صياغة المواقف، بعيدًا عن أي مساءلة داخلية حقيقية

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية