البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
التقشف للمشاريع المتعثرة والبذخ مستمر في الملاعب: السعودية تواصل إنفاق المليارات رغم أزمة السيولة

التقشف للمشاريع المتعثرة والبذخ مستمر في الملاعب: السعودية تواصل إنفاق المليارات رغم أزمة السيولة

السعودية
السعودية

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة السعودية عن إعادة ترتيب الأولويات، وتقليص النفقات، وإعادة هيكلة المشاريع العملاقة بسبب ضغوط السيولة واتساع العجز المالي، تتكشف تباعًا مشاريع جديدة بمليارات الريالات في قطاع الرياضة والترفيه، لتعيد طرح السؤال الذي يلاحق رؤية 2030 منذ سنوات: هل المشكلة في نقص الأموال أم في طريقة توزيعها؟

فبينما جرى تأجيل أو تقليص أجزاء من مشاريع كبرى داخل نيوم، وأُلغيت عقود بمليارات الدولارات، وتحدثت مؤسسات مالية عالمية عن مراجعات واسعة للإنفاق الحكومي، كشفت تقارير حديثة عن استعداد السعودية لاستضافة بطولة “الماسترز 1000” العالمية للتنس، إلى جانب إنشاء مجمع رياضي ضخم داخل القدية يضم 30 ملعبًا ومنشأة رئيسية تتسع لخمسة عشر ألف متفرج.

المفارقة أن هذه الخطط الجديدة تأتي في اللحظة نفسها التي يتحدث فيها مسؤولون ومستثمرون عن ضغوط متزايدة على السيولة داخل صندوق الاستثمارات العامة، وعن ضرورة التركيز على المشاريع “الأساسية” وتأجيل المشاريع الأقل أولوية.

لكن الواقع يبدو مختلفًا.

التقشف لا يشمل قطاع الاستعراض

خلال العامين الماضيين، أصبح مصطلح “الكفاءة” أحد أكثر المصطلحات تكرارًا في الخطاب الاقتصادي السعودي.

فمع تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع العجز المالي وتزايد الاعتماد على الاقتراض، بدأت الحكومة تتحدث عن مراجعة المشاريع وترشيد الإنفاق والتركيز على الأولويات.

غير أن متابعة مسار القرارات تكشف أن التقشف لا يُطبق بالتساوي على جميع القطاعات.

فعندما يتعلق الأمر بالمشاريع الرياضية والترفيهية، تبدو المعايير مختلفة تمامًا.

إذ تستمر المملكة في ضخ المليارات لاستضافة البطولات الدولية، وتمويل الفعاليات العالمية، وإنشاء منشآت رياضية جديدة، حتى في وقت يجري فيه تأجيل أو إلغاء مشاريع أخرى كانت تُقدَّم سابقًا باعتبارها ركائز أساسية لرؤية 2030.

وهذا يطرح تساؤلات متزايدة حول طبيعة الأولويات الحقيقية التي تحكم الإنفاق العام.

فإذا كانت الأزمة المالية تفرض إعادة النظر في بعض المشاريع، فلماذا لا تنطبق القاعدة نفسها على قطاع الترفيه والرياضة؟

القدية مشروع يبتلع المليارات بلا سقف واضح

منذ إطلاق مشروع القدية، جرى تسويقه باعتباره عاصمة الترفيه المستقبلية في السعودية.

لكن المشروع تحول تدريجيًا إلى واحد من أكبر مستهلكي الموارد المالية في البلاد.

فكل عام تقريبًا يُعلن عن منشآت جديدة، ومدن رياضية جديدة، واتفاقيات عالمية جديدة، واستثمارات إضافية بمليارات الدولارات.

واليوم ينضم مركز التنس الجديد إلى قائمة طويلة من المشاريع التي يجري تنفيذها داخل القدية.

ورغم أهمية الرياضة كقطاع اقتصادي في بعض الدول، فإن منتقدين يتساءلون عن جدوى ضخ هذه الأموال الهائلة في منشآت تستهدف بطولات موسمية، بينما تواجه قطاعات أكثر ارتباطًا بحياة المواطنين تحديات مستمرة.

فالسؤال لا يتعلق برياضة التنس نفسها، بل بترتيب الأولويات في مرحلة تقول فيها الحكومة إنها تسعى لترشيد الإنفاق.

اقتصاد يعتمد على النفط ويموّل البطولات العالمية

المفارقة الكبرى أن السعودية ما زالت تعتمد بصورة رئيسية على النفط في تمويل ميزانيتها.

ورغم عشر سنوات من الحديث عن التنويع الاقتصادي، لا تزال الإيرادات النفطية تشكل العمود الفقري للمالية العامة.

وفي المقابل، تستمر المشاريع الرياضية العملاقة في استهلاك مليارات إضافية من الموارد.

بطولات غولف.

بطولات ملاكمة.

أندية كرة قدم.

رياضات إلكترونية.

بطولات تنس.

ومشاريع ترفيهية لا تتوقف.

لكن السؤال الذي يتكرر داخل الأوساط الاقتصادية هو: أين العائد الفعلي الذي يبرر هذا الحجم من الإنفاق؟

فالكثير من هذه المشاريع لا يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على الدعم الحكومي أو تمويل صندوق الاستثمارات العامة، دون أن يثبت قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي أو إنتاج عوائد تتناسب مع حجم الأموال التي تُضخ فيه.

ولهذا يرى منتقدون أن المملكة لا تبني اقتصادًا جديدًا بقدر ما تبني سلسلة ضخمة من المشاريع التي تحتاج باستمرار إلى مزيد من التمويل الحكومي.

صندوق الاستثمارات العامة بين ضغوط التمويل ومشاريع الواجهة

خلال السنوات الأخيرة، تحول صندوق الاستثمارات العامة إلى المحرك المالي الأكبر لمعظم المشاريع العملاقة في السعودية.

لكن المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن الصندوق نفسه يواجه ضغوطًا متزايدة.

فالتقارير الدولية تحدثت عن مراجعات للإنفاق، وإعادة هيكلة شركات تابعة، وتأجيل مشاريع، وإنهاء عقود، وحتى البحث عن شركاء ومستثمرين لتمويل بعض المبادرات.

ورغم ذلك، تستمر الإعلانات عن مشاريع رياضية وترفيهية جديدة بوتيرة متسارعة.

وهذا التناقض يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج.

فإذا كان الصندوق يسعى بالفعل إلى ضبط النفقات وتحسين الكفاءة، فلماذا يستمر في فتح التزامات مالية جديدة بمليارات إضافية؟

وهل أصبحت البطولات الرياضية أولوية تفوق الأولويات الاقتصادية الأخرى؟

بين الواقع الاقتصادي وصناعة الصورة

يرى كثير من المراقبين أن جزءًا كبيرًا من هذه المشاريع لا يرتبط بالاقتصاد المباشر بقدر ارتباطه بصناعة الصورة الدولية.

فالسعودية تسعى منذ سنوات إلى تقديم نفسها كوجهة عالمية للرياضة والترفيه والسياحة.

ولهذا أصبحت استضافة البطولات الكبرى جزءًا أساسيًا من استراتيجية العلاقات العامة للدولة.

لكن المشكلة أن بناء الصورة الدولية لا يلغي الحقائق الاقتصادية.

فالأسواق تنظر إلى العجز المالي.

والمستثمرون ينظرون إلى الاستدامة.

والاقتصاديون ينظرون إلى العائد على الاستثمار.

أما الصور الدعائية وحدها فلا تكفي لضمان نجاح المشاريع على المدى الطويل.

ولهذا يزداد الجدل كلما أُعلن عن مشروع رياضي جديد في الوقت الذي تُلغى فيه مشاريع أخرى بسبب نقص التمويل أو ارتفاع التكاليف.

ملاعب جديدة فوق أرض مالية متصدعة

ما تكشفه قصة بطولة التنس الجديدة ليس مجرد مشروع رياضي إضافي، بل نمطًا متكررًا في إدارة الإنفاق خلال السنوات الأخيرة.

فبينما تتراجع بعض المشاريع تحت ضغط الكلفة، تستمر مشاريع الواجهة والاستعراض في الحصول على التمويل والدعم والاهتمام.

وقد يكون من السهل بناء ملعب جديد أو استضافة بطولة عالمية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه دون الاعتماد المستمر على النفط أو الاقتراض أو الصندوق السيادي.

وفي النهاية، لا تُقاس قوة الاقتصادات بعدد البطولات التي تستضيفها، بل بقدرتها على خلق نمو مستدام وتحسين حياة المواطنين وضمان الاستقرار المالي على المدى البعيد.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية