الحرب تضرب قلب «رؤية 2030».. من تعليق استاد نيوم إلى استهداف مطارات الرياض وخفض أسعار النفط أمام عجز يلامس 191 مليار ريال

الحرب تضرب قلب «رؤية 2030».. من تعليق استاد نيوم إلى استهداف مطارات الرياض وخفض أسعار النفط أمام عجز يلامس 191 مليار ريال

الحرب تضرب قلب «رؤية 2030».. من تعليق استاد نيوم إلى استهداف مطارات الرياض وخفض أسعار النفط أمام عجز يلامس 191 مليار ريال
الحرب تضرب قلب «رؤية 2030».. من تعليق استاد نيوم إلى استهداف مطارات الرياض وخفض أسعار النفط أمام عجز يلامس 191 مليار ريال

في خريف 2026 لم تعد المشكلة تقتصر على تكلفة مدينة مستقبلية أو تأخر مشروع ضخم. الصورة أصبحت أكثر قسوة: الدولة التي ضخّت مليارات لبناء اقتصاد يبتعد عن النفط تجد نفسها تعود إليه بقوة، وفي الوقت ذاته تدفع ثمنًا إضافيًا لحماية المنشآت والطرق التي يخرج منها هذا النفط. 

استاد نيوم المقدر بـ2.5 مليار دولار أُرجئ إلى أجل غير مسمى. ميزانية 2027 تتوقع فجوة تقارب 191 مليار ريال. أرامكو خفضت أسعار خامها الرئيسي لآسيا إلى أدنى مستوى نسبي منذ ست سنوات رغم بقاء برنت مرتفعًا. ثم جاءت الهجمات على مطاري أبها والملك خالد في الرياض وسقوط قتلى وجرحى. 

هذه الوقائع لا تعني انهيار الاقتصاد السعودي ولا سقوط كل مشروعات الرؤية. لكنها تكشف أن النموذج الذي اعتمد طويلًا على التمويل الحكومي السخي والإنفاق الواسع يدخل الآن مرحلة اختبار حقيقية. الاختبار لم يعد: هل تستطيع السعودية بناء المستقبل؟ بل: هل تستطيع دفع كلفته وحمايته وجني عائد منه في آن واحد؟

. استاد نيوم يُسحب من الواجهة.. من رمز هندسي مثير إلى مشروع لم يعد يستحق المليارات

الاستاد لم يكن مجرد ملعب كرة قدم. كان أحد أبرز عناصر ملف المونديال: منشأة ترتفع مئات الأمتار داخل «ذا لاين»، مصممة لاستيعاب عشرات الآلاف، ووسيلة لإثبات أن التصورات المعمارية الجريئة يمكن تحويلها إلى واقع في موعد محدد. 

اليوم أصبح خارج جدول التنفيذ المباشر. والسؤال الذي لا تجيب عنه عبارة «إعادة ترتيب الأولويات» هو: إذا لم يعد المشروع ضروريًا الآن، فلماذا اعتُبر ضروريًا بالأمس؟ وإذا كانت هناك خيارات أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ، فلماذا لم تُقدَّم هذه الخيارات منذ البداية؟ وإذا كانت إعادة تصميم «ذا لاين» جعلت الاستاد غير قابل للإنجاز ضمن الجدول الأصلي، فكيف رُبطت بطولة عالمية بمشروع عمراني معقد إلى هذا الحد؟ 

هذه أسئلة تتعلق بجودة القرار الاستثماري والحوكمة. قد يكون الإرجاء قرارًا سليمًا اليوم، لكن سلامة القرار الحالي لا تبرر القرارات السابقة تلقائيًا. ولا يكفي وصف كل تراجع بـ«مرونة» دون الكشف عن كلفة الدراسات والتصاميم والعقود التي سبقت الإرجاء. المشروع الذي يُحذف من الخطة لا تُمحى معه الأموال التي صُرفت عليه. والأخطر أن الحالة تكشف ميلًا إلى تحويل الرغبة السياسية في مشروع استثنائي إلى التزام مالي وهندسي قبل أن تُختبر الافتراضات بصرامة كافية. السعودية لا تحتاج إلى إثبات قدرتها على شراء التصميم الأكثر إبهارًا. تحتاج إلى إثبات قدرتها على بناء الأصول التي تولّد قيمة حقيقية.

  عجز يلامس 190 مليار ريال وخفض أسعار أرامكو.. نهاية وهم أن كل مشروع يمكن أن يكون في الصدارة

الأرقام في البيان التمهيدي لميزانية 2027 واضحة: إيرادات متوقعة 1.202 تريليون ريال، مصروفات 1.392 تريليون، فجوة تقارب 190 مليار ريال أي نحو 3.6% من الناتج. هذا لا يعني أن الخزانة فقدت القدرة على الإنفاق أو الاقتراض. وزارة المالية تؤكد وجود احتياطيات وقدرة تمويلية. 

لكن السؤال الجوهري يبقى: لماذا تستمر الدولة في تحمل كلفة مشروعات ضخمة لم تثبت كلها قدرتها على توليد عوائد مستقلة؟ هناك فرق جوهري بين اقتراض لتمويل أصل منتج، واقتراض لتمويل أصل يحتاج لاحقًا إلى دعم حكومي متكرر. والاحتياجات لم تعد محصورة في مشروعات الرؤية. هناك دفاع جوي، وحماية للمطارات، وأمن للموانئ، وخطوط أنابيب، وتكاليف شحن وتأمين. كل هذه المطالب تتنافس على الوعاء المالي نفسه. عندما يُعامل كل مشروع كأولوية، فإن الدولة لا تملك أولويات حقيقية، بل قائمة إنفاق تنتظر التمويل. 

وفي 4 أكتوبر خفضت أرامكو سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف المتجه إلى آسيا بثلاثة دولارات، ليصبح أقل بخمسة دولارات من متوسط عمان/دبي، وهو أكبر خصم من نوعه منذ منتصف 2020. القرار تجاري، لكن دلالته الاستراتيجية أوضح: السعودية لم تعد تنافس فقط بقدرتها على استخراج النفط، بل بقدرتها على إيصاله بتكلفة مقبولة. اضطرابات هرمز والبحر الأحمر رفعت كلفة الشحن والتأمين، ودفعت المنتجين إلى مسارات بديلة. فأصبحت أرامكو أمام خيارين: إما أن يتحمل المشتري جزءًا أكبر من الكلفة، أو تتحمل الشركة جزءًا منها عبر تعديل الأسعار. النفط لم يفقد قيمته، لكنه فقد جزءًا من سهولة الوصول إلى السوق التي كانت تمنحه ميزة واضحة. البرميل تحت الأرض ليس إيرادًا، والبرميل المنتج ليس بالضرورة مصدرًا، والبرميل المصدر لا يحقق العائد نفسه إذا ارتفعت كلفة نقله وتأمينه.

 قتلى وجرحى في مطاري الرياض وأبها.. الحرب تضرب أهم شرط تحتاج إليه الرؤية: الثقة بالاستقرار

هجمات 7 و8 أكتوبر نقلت الأزمة من حسابات النفط إلى قلب النشاط المدني. الحوثيون أعلنوا مسؤوليتهم عن ضرب مطاري أبها والملك خالد الدولي في الرياض، وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة وإصابة 36، بينهم مقيمون من جنسيات مختلفة. 

استهداف المطارات المدنية خطير في حد ذاته. لكن التداعيات تتجاوز الخسائر المباشرة. السعودية تسعى لزيادة السياحة وجذب الشركات واستضافة إكسبو وكأس العالم وتوسيع قطاع الضيافة والطيران. كل ذلك يقوم على شرط أساسي: الاستقرار. المسافر لا يختار الوجهة بناءً على عدد الفنادق فقط، والمستثمر لا يحدد موقع مصنعه بناءً على سعر الأرض فقط، وشركة الطيران لا ترسم مساراتها بناءً على حجم المطار فقط. هناك كلفة المخاطر والتأمين واحتمال التعطل وسلامة الموظفين والعملاء. الدولة تستطيع تمويل بناء المطار، لكنها لا تستطيع شراء ثقة المسافر بقرار إداري. 

وهكذا تتسع كلفة الأمن مع اتساع الاقتصاد الذي يفترض أن يحميه. وبعد أكثر من عقد على التدخل العسكري في اليمن، يعود السؤال عن الحصيلة: هل أنتجت السنوات الطويلة من العمليات والتحالفات والإنفاق ترتيبات أمنية مستقرة تتناسب مع حجم الموارد المستخدمة؟ القوة العسكرية لا تُقاس بقيمة السلاح المشترى، بل بمقدار الأمن المستدام الذي توفره للمواطنين والاقتصاد.

 السعودية تستطيع تمويل البناء والاقتراض.. لكن من يحاسب على المشروعات التي كان يجب ألا تُموَّل؟

الأخبار لا ترسم صورة اقتصاد عاجز. المملكة تمتلك موارد نفطية كبيرة وأصولًا مالية وبنية تحتية متقدمة وقطاعات غير نفطية حققت نموًا ملموسًا، وأظهرت أرامكو قدرة على إعادة توجيه الصادرات والتكيف مع الاضطرابات. 

لكن القدرة على الصمود لا تعني خلو الاستراتيجية من أخطاء. القدرة على الاقتراض لا تعني أن كل استثمار يستحق التمويل. القدرة على إعادة تشغيل خط أنابيب لا تعني اختفاء المخاطر الجغرافية. والقدرة على تعليق استاد نيوم لا تجيب عن سؤال كلفة القرارات السابقة. 

المشكلة ليست في التراجع عن بعض المشروعات. المشكلة أن الأسئلة التي تبرر هذا التراجع كان ينبغي طرحها قبل تخصيص المليارات. في 2026 أصبحت الدولة مطالبة بتمويل اقتصاد جديد، وحماية اقتصادها القائم، واستيعاب آثار حرب إقليمية، والاستعداد لفعاليات عالمية، وإدارة عجز مالي مستمر، وكل ذلك في وقت لا يزال النفط عنصرًا أساسيًا في تمويل الإنفاق العام. 

أكبر تحدٍّ لرؤية 2030 ليس رسم مستقبل مذهل، بل بناء مؤسسات قادرة على التمييز بين المشروع المنتج والمشروع المكلف قبل أن تتحول التصورات إلى التزامات مالية. يمكن إرجاء استاد نيوم، ويمكن تعديل أسعار النفط، ويمكن تمويل العجز بالدين. لكن السؤال الذي لا يجوز تأجيله هو: من يتحمل مسؤولية القرارات التي استهلكت المال والوقت قبل أن يتبين أن الواقع لا يستطيع تنفيذ ما وعد به العرض؟ 

الدولة التي تريد بناء اقتصاد المستقبل لا يكفي أن تمتلك الجرأة على إعلان المشروعات العملاقة. يجب أن تمتلك أيضًا نظامًا يستطيع أن يقول لأغلى مشروعاتها «لا» قبل أن تدفع ثمن الموافقة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية