الحوثيون لا يحتاجون إلى قصف نيوم.. يكفيهم أن يخيفوا العالم ليضربوا رؤية 2030 في مقتل

الحوثيون لا يحتاجون إلى قصف نيوم.. يكفيهم أن يخيفوا العالم ليضربوا رؤية 2030 في مقتل

الحوثيون لا يحتاجون إلى قصف نيوم.. يكفيهم أن يخيفوا العالم ليضربوا رؤية 2030 في مقتل
الحوثيون لا يحتاجون إلى قصف نيوم.. يكفيهم أن يخيفوا العالم ليضربوا رؤية 2030 في مقتل

لم يسقط صاروخ حوثي على السجادة الحمراء في جدة، ولم تعلن السعودية أن مهرجان البحر الأحمر السينمائي أُلغي بسبب الحرب. البيان الرسمي اختار لغة ناعمة: «مراجعة شاملة» للتوقيت و«المتطلبات اللوجستية». لكن النتيجة العملية أبلغ من أي بيان: الدورة السادسة التي كان يفترض إقامتها في ديسمبر 2026 لن تقام هذا العام أصلًا، وستنتقل إلى الربع الأخير من 2027. هذه ليست مشكلة مهرجان. هذه لحظة تفضح هشاشة نموذج اقتصادي بُني على افتراض أن العالم سيأتي إلى السعودية متى أرادت، وأن الاستقرار يمكن شراؤه أو تأجيله. مهرجان البحر الأحمر ليس حفلة سينمائية معزولة. إنه جزء من صناعة كاملة أنفقت عليها المملكة سنوات لتقول إنها لم تعد مصدر نفط فقط، بل وجهة للنجوم والاستوديوهات والسياح والمستثمرين. في دورة 2025 وحدها حضر مسؤولون من نتفليكس وأمازون وديزني، وأصبح «سوق البحر الأحمر» منصة استثمارية. اختفاء دورة كاملة من الروزنامة يكشف نقطة ضعف بنيوية في رؤية 2030: السعودية تستطيع إنفاق المليارات لبناء الوجهة، لكنها لا تستطيع شراء الجغرافيا التي تحيط بها. وفي اللحظة التي تعود فيها الصواريخ والمسيّرات الحوثية لتضرب المملكة، يبدأ السؤال الذي حاولت الرؤية تأجيله: ماذا يحدث لاقتصاد قائم على السياحة والترفيه والفعاليات الدولية عندما يعود الأمن نفسه ليصبح موضع شك؟

السجادة الحمراء تحتاج إلى مظلة دفاع جوي الترفيه لا يعيش منفصلًا عن الحرب

الخطأ القاتل هو النظر إلى المهرجان وكأنه رفاهية يمكن إلغاؤها بلا أثر. في النموذج الاقتصادي الجديد، الفعاليات نفسها أصبحت منتجًا. السائح منتج. الحفل منتج. المباراة منتج. المهرجان منتج. الفندق منتج. والصورة التي تقدمها السعودية للعالم منتج أيضًا. لهذا أنفقت المملكة على السينما والموسيقى والرياضة والسياحة والمنتجعات؛ لأنها تحاول تحويل التدفقات النفطية إلى اقتصاد ينتج تدفقات من قطاعات أخرى. لكن لهذا النموذج شرطًا لا يمكن استبداله بالخرسانة: أن يشعر العالم بأن المكان آمن. المهرجان لم يقل رسميًا إن الحوثيين سبب التأجيل. لا توجد حتى الآن قاعدة تسمح بالقول إن صاروخًا «ألغى المهرجان». لكن القرار جاء بعد أسابيع من التصعيد والهجمات الحوثية، وهذا السياق هو الذي يجعل القضية أخطر. الحرب الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى إصابة الهدف. يكفي أن تغير حساب المخاطر. شركة تأمين ترفع السعر. شركة عالمية تعيد تقييم مشاركة موظفيها. نجم دولي يتردد. استوديو يؤجل وفده. منظم يحتاج ترتيبات أمنية أغلى. مستثمر يطلب عائدًا أعلى. حدث كان يحتاج لوجستيات معينة يصبح فجأة أكثر تعقيدًا. هذه كلها تكاليف حقيقية حتى لو اعترض الدفاع الجوي كل صاروخ. الحوثي هنا يفرض «ضريبة جيوسياسية» على رؤية 2030 من دون أن يدمر مشروعًا واحدًا. السعودية بنت اقتصادًا يريد استقبال العالم. لكن استقبال العالم أصعب بكثير من دعوته. السائح الأوروبي لا يهتم بعدد المليارات التي أُنفقت إذا اعتقد أن المنطقة تمر بتصعيد عسكري. شركة الإنتاج لا تبني قرارها على إعلان حكومي، بل على التأمين والطيران والأمن. وهكذا يصبح الدفاع الجوي جزءًا غير مرئي من اقتصاد الترفيه. كل فندق جديد يحتاج إلى أمن. كل مهرجان يحتاج إلى أمن. كل مليون سائح إضافي يجعل الاستقرار أغلى. كلما نجحت رؤية 2030 في بناء المزيد من الأصول، أصبحت المملكة تملك المزيد من الأشياء التي يجب حمايتها.

المشكلة ليست مهرجانًا مؤجلًا.. بل نموذجًا اقتصاديًا يحتاج إلى استقرار لا يملك ابن سلمان مفاتيحه

هناك تناقض جوهري داخل المشروع السعودي الجديد. اقتصاد النفط يستطيع العمل في بيئة صعبة ما دامت الحقول والأنابيب والموانئ تعمل. اقتصاد السياحة والترفيه لا يملك هذه الرفاهية. النفط يحتاج إلى مشترٍ. السياحة تحتاج إلى ضيف يختار بإرادته أن يأتي. الدولة تستطيع بيع النفط حتى في منطقة مضطربة، وإن كان بتكاليف أعلى. لكنها لا تستطيع إصدار أمر لسائح بأن يقضي عطلته على البحر الأحمر. ولا تستطيع إجبار مخرج عالمي على حضور مهرجان. ولا تستطيع إجبار شركة أجنبية على تنظيم مؤتمر. ولا تستطيع إجبار مستثمر على تجاهل الحرب. الاقتصاد الذي يحاول محمد بن سلمان بناءه أكثر اعتمادًا على الثقة من الاقتصاد الذي ورثه. الأمن هنا أصل اقتصادي. والمشكلة أن المملكة لا تتحكم وحدها في إنتاج هذا الأصل. الحوثي يستطيع التأثير فيه. إيران تستطيع التأثير فيه. الحرب في اليمن تستطيع التأثير فيه. أزمة البحر الأحمر تستطيع التأثير فيه. واشنطن تستطيع بقراراتها التأثير فيه. السعودية تستثمر مبالغ ضخمة في تغيير صورتها واقتصادها، لكنها ما زالت تتعامل مع تهديد كان أحد أهداف حرب 2015 هو تحييده. وبعد أكثر من أحد عشر عامًا، لم ينته التهديد. والأخطر اقتصاديًا أن المملكة أصبحت اليوم أكثر تعرضًا لتكلفته. في 2015 لم تكن تراهن بهذا الحجم على عشرات الملايين من السياح والبطولات والمهرجانات والمنتجعات والمدن المستقبلية. اليوم تفعل. الحوثيون لا يواجهون السعودية القديمة. يواجهون دولة أصبحت لديها أصول مدنية واقتصادية وصورة دولية أكبر بكثير. تكلفة عدم الاستقرار ارتفعت. الحرب لا تُقاس بعدد المنشآت التي أصابتها الصواريخ فقط. تُقاس بكل قرار استثماري أو سياحي أو لوجستي تغير لأن الصواريخ قد تصل.

بعد سنوات من بيع صورة السعودية الجديدة.. تأجيل حدث دولي يكشف أن السمعة أسرع بناءً من المناعة

مهرجان البحر الأحمر كان من أكثر الأدوات وضوحًا في إعادة تقديم السعودية عالميًا. بلد لم تكن فيه دور سينما تجارية حتى 2018 أصبح يستضيف خلال سنوات قليلة مهرجانًا دوليًا يحضره نجوم هوليوود وصناع السينما. هذا تحول حقيقي. لكن نجاح التحول هو تحديدًا ما يجعل التأجيل مهمًا. السعودية لم تكن تبيع أفلامًا فقط. كانت تبيع قصة: دولة تتغير بسرعة، جدة العالمية، الانفتاح، الاقتصاد الجديد، المملكة التي تستطيع تنظيم أي شيء. هذه الصورة أصبحت أصلًا اقتصاديًا. لكن هناك فارقًا بين شراء الانتباه وشراء الثقة. يمكن دفع المال لجلب نجم. يمكن تمويل فيلم. يمكن بناء قاعة. لكن لا يمكن دفع شيك يجعل المخاطر الجيوسياسية تختفي. تأجيل دورة 2026 يضع خطًا صغيرًا لكنه واضح على فاتورة الحرب. التحضيرات كانت قد دخلت مرحلة متقدمة. باب تقديم الأفلام أُغلق. سوق البحر الأحمر كان مقررًا. التراجع جاء بعد أن بدأ التنظيم فعليًا. لا يعني القرار انهيار الصناعة السينمائية. البرامج الأخرى مستمرة. لكن المشكلة أن الحدث الدولي الأكبر يستطيع أن يختفي عامًا كاملًا في اللحظة التي يفترض فيها أن اقتصاد الفعاليات أصبح مؤسسة مستقرة، لا سلسلة أحداث تعتمد على الظروف المثالية. الاختبار الحقيقي لأي مشروع اقتصادي ليس عندما تكون أسعار النفط جيدة والمنطقة هادئة. الاختبار عندما تصبح الظروف صعبة. هل تستمر المنظومة؟ كم ترتفع التكلفة؟ ومن يتحملها؟ وهل تستطيع الدولة حماية الجدول الاقتصادي من الجدول العسكري؟

رؤية 2030 بنت اقتصادًا يحتاج إلى العالم.. والحوثيون اكتشفوا أن إخافة العالم أرخص من تدمير ما بنته

هذه من أكثر النتائج إزعاجًا لمحمد بن سلمان. السعودية أنفقت سنوات في محاولة تغيير المعادلة: بدل أن يأتي العالم ليشتري النفط فقط، تريد أن يأتي العالم إلى السعودية نفسها. ليزور ويستثمر ويشاهد ويحضر ويشتري العقار وينام في الفنادق. هذه إحدى أهم أفكار الرؤية. لكنها خلقت نقطة ضعف جديدة. اقتصاد الوجهة لا يعيش من دون شعور بالأمان. الحوثيون لا يحتاجون إلى إسقاط برج في نيوم. لا يحتاجون إلى إصابة فندق في البحر الأحمر. لا يحتاجون إلى ضرب قاعة مهرجان. يكفي أن يجعلوا السؤال الأمني حاضرًا في كل قرار. الحرب تتحول من بند في ميزانية الدفاع إلى ضريبة على الاقتصاد كله: ضريبة على النفط عندما تتعقد طرق التصدير، وضريبة على الطيران، وضريبة على الاستثمار، وضريبة على السياحة، وضريبة على الترفيه. لا يوجد حتى الآن دليل يجزم بأن الحوثيين السبب المباشر لتأجيل المهرجان. المؤسسة تحدثت عن التوقيت واللوجستيات. لكن هذه الحقيقة لا تلغي السؤال الأكبر. المهرجان سيعود على الأرجح. السجادة الحمراء ستُفرش. النجوم سيأتون. لكن رؤية 2030 لا تُقاس بمقدار قدرتها على تأجيل حدث ثم إعادته. تُقاس بقدرتها على بناء اقتصاد يستطيع الاستمرار عندما تصبح المنطقة أصعب مما افترضته العروض التقديمية. السعودية استطاعت شراء الأفلام وجذب النجوم وتمويل المهرجانات وبناء المنتجعات. لكن بعد أكثر من أحد عشر عامًا من حرب اليمن، يظهر أن السلعة الأغلى التي تحتاجها كل هذه المشاريع ليست الخرسانة ولا رأس المال ولا المشاهير. إنها الاستقرار. وإذا كانت المملكة لا تزال بعد كل هذا الإنفاق عاجزة عن ضمانه بنفسها، فإن السؤال الذي يطارد «السعودية الجديدة» لن يكون كم مهرجانًا تستطيع تنظيمه عندما تكون المنطقة هادئة. بل كم مشروعًا من مشاريع رؤية 2030 يستطيع الاستمرار عندما لا تكون كذلك؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية