“السراب يتهاوى”رؤية بن سلمان تدخل مرحلة الانكشاف بعد تعثر المشاريع واستنزاف الاقتصاد السعودي

“السراب يتهاوى”رؤية بن سلمان تدخل مرحلة الانكشاف بعد تعثر المشاريع واستنزاف الاقتصاد السعودي

بن سلمان
بن سلمان

بعد سنوات من الدعاية المكثفة والوعود التي صُوّرت باعتبارها “ولادة جديدة” للاقتصاد السعودي، بدأت الحقيقة تظهر بشكل يصعب إخفاؤه: مشروع “رؤية 2030” الذي أُطلق كخطة لتحويل المملكة إلى قوة اقتصادية عالمية، يتحول تدريجيًا إلى نموذج للفشل المكلف والتخبط الاستراتيجي. تقرير صحيفة ذا غلوب آند ميل الكندية لم يقدّم مجرد قراءة نقدية للمشهد، بل وثّق لحظة الانكشاف الكامل، حيث تتراجع المشاريع العملاقة، وتتآكل الموارد المالية، وتظهر هشاشة النموذج الذي اعتمد على الإنفاق الضخم بدل الإصلاح الحقيقي.

ما يحدث اليوم لم يعد مجرد “مراجعة للمشاريع” أو “إعادة ترتيب للأولويات”، بل بداية انهيار سردية كاملة بُنيت على التسويق الإعلامي أكثر من البناء الاقتصادي. الرافعات التي توقفت في مواقع المشاريع العملاقة، والمخططات التي أُلغيت أو جُمّدت، ليست تفاصيل تقنية، بل إشارات مباشرة إلى أن الرؤية اصطدمت أخيرًا بالواقع المالي والسياسي.

“مشاريع في الرمال” كيف تحولت الأحلام العملاقة إلى مواقع متوقفة؟

عندما أطلق محمد بن سلمان “رؤية 2030” في 2016، تم تقديمها كخطة ستُنهي اعتماد المملكة على النفط، وستحوّل الصحراء إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والترفيه. المشاريع التي أُعلن عنها، مثل “نيوم” و”ذا لاين” ومدينة التزلج الصحراوية، لم تكن مجرد استثمارات، بل أدوات دعائية ضخمة هدفت إلى إقناع العالم بأن السعودية تدخل عصرًا جديدًا.

لكن بعد أقل من عقد، تبدو الصورة مختلفة تمامًا. تقارير دولية متعددة، من وول ستريت جورنال إلى نيويورك تايمز، بدأت توثق تباطؤ الأعمال، وتأجيل المشاريع، وتقليص الخطط. تقرير ذا غلوب آند ميل يذهب أبعد من ذلك، موضحًا أن مواقع البناء نفسها تحولت إلى مساحات شبه فارغة، مع توقف الرافعات وانكماش النشاط الميداني.

هذه المشاهد لا تعكس “تعديلًا مؤقتًا”، بل أزمة هيكلية. المشاريع العملاقة بُنيت على افتراض أن تدفق الأموال سيستمر بلا حدود، وأن الاستثمارات الأجنبية ستتدفق تلقائيًا نحو المملكة. لكن هذا لم يحدث. الشركات العالمية لم تنقل عملياتها الحقيقية إلى الرياض، والاستثمارات الأجنبية جاءت أقل بكثير من الأرقام التي تم الترويج لها.

النتيجة أن الدولة اضطرت إلى تمويل معظم هذه المشاريع بنفسها، ما أدى إلى استنزاف مالي هائل، خاصة مع استمرار العجز في الميزانية وتراجع أسعار النفط.

“اقتصاد بلا تنويع” النفط لا يزال يحكم كل شيء

أحد أكبر الادعاءات التي قامت عليها الرؤية كان “فك الارتباط بالنفط”، لكن بعد عشر سنوات تقريبًا، يتضح أن الاقتصاد السعودي لا يزال رهينة لأسعار الطاقة. النفط ما زال يشكل العمود الفقري للإيرادات، وأي انخفاض في الأسعار ينعكس فورًا على الإنفاق والمشاريع.

خلال طفرة أسعار النفط في 2021 و2022، اندفع النظام إلى إطلاق موجة إنفاق ضخمة، معتقدًا أن الوفرة ستستمر. لكن مع تراجع الأسعار واندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بدأت الأزمة تتكشف بسرعة.

الهجمات على المنشآت النفطية واضطرابات مضيق هرمز لم تضرب فقط الصادرات، بل كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي بأكمله. الاقتصاد الذي قيل إنه “تنوع” وجد نفسه عاجزًا عن الصمود أمام أزمة طاقة، لأن التنويع الحقيقي لم يتحقق أصلًا.

حتى الضرائب والرسوم التي فُرضت خلال السنوات الماضية لم تنجح في خلق بدائل مستدامة، بل زادت الضغوط على المجتمع والقطاع الخاص، دون أن تعالج جوهر المشكلة.

“تحالفات مرتبكة” السياسة الخارجية تدخل مرحلة التحوط القسري

الأزمة لم تبقَ اقتصادية فقط، بل امتدت إلى السياسة الخارجية. الحرب الإقليمية الأخيرة كشفت حدود التحالفات التقليدية، خاصة مع الولايات المتحدة، التي لم تقدّم الحماية التي كان النظام يتوقعها خلال التصعيد العسكري.

هذا الواقع دفع الرياض إلى التحرك في اتجاهات متناقضة: تعزيز العلاقات مع الصين، توسيع التعاون العسكري مع باكستان، ومحاولة بناء تكتلات إقليمية جديدة مع دول مثل مصر وتركيا.

لكن هذه التحركات، التي تُقدَّم رسميًا كتنويع للشراكات، تبدو في حقيقتها تعبيرًا عن أزمة ثقة وفقدان توازن. النظام الذي اعتمد لعقود على المظلة الأمريكية يجد نفسه اليوم مضطرًا للبحث عن بدائل، ليس من موقع القوة، بل من موقع القلق.

التقرير الكندي وصف هذا الوضع بـ”التحوط الاستراتيجي”، لكنه في الواقع أقرب إلى محاولة ارتجالية لإدارة فراغ سياسي وأمني متزايد.

الأخطر أن هذه التحولات تأتي في وقت تتراجع فيه الثقة الدولية بقدرة النظام على تنفيذ وعوده الاقتصادية، ما يضعف من موقعه التفاوضي مع الشركاء الجدد أيضًا.

“الواجهة تتصدع”الإعلام لم يعد قادرًا على إخفاء الحقيقة

لسنوات، اعتمد مشروع “رؤية 2030” على ماكينة إعلامية غربية ضخمة، تم توظيفها لتسويق صورة “الإصلاح والانفتاح”. المؤتمرات الدولية، المقابلات الإعلامية، والاستثمارات في الترفيه والرياضة، كلها كانت جزءًا من عملية تلميع واسعة.

لكن مع تصاعد الأزمات، لم تعد الصورة قابلة للحماية. التقارير التي كانت تتحدث سابقًا عن “المعجزة السعودية” بدأت اليوم تتحدث عن التعثر والإنفاق المفرط وانهيار المشاريع.

الفرق أن الأزمة أصبحت مرئية على الأرض: مشاريع متوقفة، خطط مؤجلة، وعجز مالي يتزايد عامًا بعد عام. حتى الإصلاحات الاجتماعية، التي تم تقديمها كدليل على التغيير، لم تكن كافية لإقناع المستثمرين، لأن البيئة السياسية والقانونية بقيت مغلقة.

لا يمكن بناء مركز استثماري عالمي في ظل غياب الشفافية واستمرار القيود على الحريات. هذا التناقض بين الانفتاح الاقتصادي والانغلاق السياسي أصبح أحد أبرز أسباب تراجع الثقة.

 “رؤية بلا مستقبل”حين ينهار المشروع تحت وزن أوهامه

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة مؤقتة، بل لحظة حساب لمشروع كامل بُني على الطموح المبالغ فيه والإنفاق غير المحدود. “رؤية 2030” لم تفشل لأنها كانت طموحة، بل لأنها حاولت القفز فوق الواقع دون إصلاحات بنيوية حقيقية.

المال وحده لم يكن كافيًا لبناء اقتصاد متنوع، والمشاريع العملاقة لم تستطع إخفاء هشاشة النموذج القائم على النفط. ومع كل مشروع يتوقف، وكل خطة تُلغى، تتكشف الحقيقة أكثر: ما قُدّم كتحول تاريخي كان في جانب كبير منه عملية تسويق ضخمة، لا استراتيجية اقتصادية قابلة للاستمرار.

الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها أن النظام السعودي يدخل مرحلة جديدة، عنوانها التراجع القسري بعد سنوات من الإنفاق الاستعراضي. والمفارقة أن “الرؤية” التي كان يُفترض أن تقود المملكة إلى المستقبل، أصبحت اليوم رمزًا لأزمة مركبة تجمع بين التعثر الاقتصادي والارتباك السياسي وفقدان الثقة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية