لم يعد النظام السعودي بحاجة إلى الزنازين والأسلاك الشائكة لإسكات الأصوات الحرة. فبعد موجة من الاعتقالات الوحشية والتعذيب الممنهج بحق الناشطين والناشطات، انتقل نظام محمد بن سلمان إلى مرحلة جديدة من القمع: حظر السفر كأداة للترهيب والعقاب الجماعي.
وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية نُشر بالتعاون مع منظمة القسط لحقوق الإنسان، فإن عشرات من السجناء السياسيين السابقين في السعودية يواجهون قيودًا صارمة وطويلة الأمد على السفر، رغم انتهاء فترات محكومياتهم.
“رقابة ذاتية دائمة وسجن غير معلن”
تقول لينا الهذلول، شقيقة الناشطة الحقوقية الشهيرة لجين الهذلول:
“السجناء السابقون يُرَون في الحياة العامة، مما يُعطي انطباعًا بالحرية للعالم الخارجي. لكن الحقيقة أنهم يعيشون تحت رقابة ذاتية مستمرة، غير قادرين على التعبير عن آرائهم أو مشاركة تجاربهم.”
النظام لا يريد فقط إسكات الصوت، بل ضمان صمت المحيطين به أيضًا. وتضيف لينا:
“إنه عقاب جماعي للعائلة. تكتيك جديد لإسكات المنتقدين ومنع الآخرين من أن يكونوا صوتهم.”
“سجن مفتوح” هكذا تصف لينا الهذلول حياة أختها لجين بعد الإفراج
الناشطة لينا الهذلول،قالت في تصريحاتها للغارديان:
“لقد سُلِّط الضوء على السعودية بسبب سجن السجناء السياسيين، بمن فيهم أختي لجين. كان من الصعب تبرير ذلك، وتسبب في دعاية سلبية. من الأسهل عليهم بكثير فرض حظر السفر للسيطرة على الناس.”
وأضافت:
“هذا التكتيك ليس فقط لإسكات المنتقدين، بل أيضًا لضمان إسكات من حولهم ممن قد يكونون صوتهم. إنه عقاب جماعي للعائلة.”
من السجن إلى المنفى الداخلي.. كيف يُستخدم حظر السفر كسلاح سياسي؟
في معظم دول العالم، يُعد حظر السفر إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا، يُتخذ بموجب قرار قضائي. أما في النظام السعودي، فقد تحول إلى عقوبة غير معلنة، تُفرض إداريًا دون شفافية أو محاسبة.
الهدف؟ ليس حماية الأمن القومي كما يدّعي النظام، بل منع أي صوت ناقد من الوصول إلى المجتمع الدولي، وحرمان الناشطين من رواية ما جرى داخل المعتقلات.
منع السفر في هذا السياق ليس إجراءً إداريًا.. بل هو:
- عقوبة خارج إطار القانون
- وسيلة لإسكات الشهود
- أداة للابتزاز والمراقبة
أمثلة واقعية: وجوه بارزة مُنعت من السفر
لجين الهذلول: ممنوعة من السفر منذ الإفراج عنها رغم انتهاء محكوميتها.
نسيمة السادة وسمر بدوي: حقوقيتان منعتا من مغادرة البلاد بعد الإفراج عنهما.
عبد الرحمن السدحان: بعد اختفائه القسري ثم محاكمته السرية، يواجه حظرًا صامتًا على السفر.
وليد أبو الخير: لا يزال رهن الاعتقال، لكن أسرته وأقاربه يعيشون في سجن الحركة والملاحقة.
هذه السياسات لا تستهدف الأفراد فقط، بل توجّه رسالة تخويف جماعية لكل المجتمع: “حتى لو خرجت من السجن، لن تخرج من سيطرتنا”.
قناع “الإصلاحات” وعقاب يُمارس خلف الكواليس
يروج النظام السعودي لما يسميه “الإصلاحات الاجتماعية” – مثل السماح بقيادة المرأة، وإقامة حفلات فنية – بينما يستمر في قمع أي رأي مستقل، وسحق منظمات المجتمع المدني، وفرض حظر السفر على المئات.
حسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن:
“السعودية تستخدم حظر السفر بشكل واسع وغير قانوني ضد النشطاء والمعارضين وأفراد أسرهم، بهدف ردعهم عن النشاط السياسي أو الحقوقي.”
منع السفر أداة استراتيجية لتبييض القمع
لماذا يلجأ النظام إلى هذه السياسة بدل إعادة الاعتقال؟
الجواب يكمن في الصورة الإعلامية. فإعادة سجن النشطاء تُحرج النظام أمام العالم، أما منعهم من السفر، فيتم في الخفاء، دون دعاية سلبية.
وبالتالي يحقق النظام:
- الصمت المطلوب
- تفادي الإدانات الدولية
- ضبط المحيط الاجتماعي للنشطاء
إنه نظام لا يبحث عن القانون، بل عن التحكم الكامل.
حقائق وأرقام صادمة
أكثر من 89 سجينًا سياسيًا سابقًا ممنوعون من السفر حتى يوليو 2025.
ما لا يقل عن 31 من أقارب المعتقلين والنشطاء تم حظر سفرهم دون أسباب.
أكثر من 20 ناشطًا تم حرمانهم من فرص دراسية أو علاجية خارج المملكة.
لا توجد آلية قانونية للطعن على قرارات المنع، ولا يتم إبلاغ المتضررين رسميًا.
عقوبة جماعية ممنهجة
وفق القانون الدولي، فإن حظر السفر الذي لا يستند إلى مبررات قانونية واضحة، ويُفرض على أساس الانتماء أو الرأي أو النشاط السلمي، يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان.
وتُعد هذه الممارسة شكلًا من أشكال “العقوبة الجماعية”، وهي محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.
لا إصلاح في وطن يُمنع فيه الهواء من السفر
مهما زيّف النظام صورته عبر مؤتمرات دولية أو منتديات اقتصادية، ستبقى الحقيقة جليّة:
- الوطن الذي يُمنع فيه الناس من السفر، هو ليس وطنًا بل سجنًا ممتدًا.
- من يُعاقب الناس على أفكارهم لا يبني مستقبلًا، بل يُعمّق القمع.
- ومن يُخرس العائلات ويُسكت الشهود، لا يصنع تقدّمًا، بل يُمعن في صناعة الخوف.
نظام بن سلمان لا يحتاج إلى قضبان يكفيه جواز سفر معطّل، ونافذة مغلقة، وحُلم محرّم.






