السعودية بعد ذروة الحلم: من ناطحات الرمل إلى واقع العجز

السعودية بعد ذروة الحلم: من ناطحات الرمل إلى واقع العجز

كانت السعودية قبل سنوات تتحدث بثقة عن “عصرٍ جديد” سيحوّل الصحراء إلى مدينة مستقبلية تمتد بلا نهاية.

لكن ما كان يُروَّج له كـ”رؤية 2030″ بات اليوم أقرب إلى ورشة متوقفة على أطراف نفقاتٍ منهكة.

آخر ما كشفته الصحف الغربية—من ذا تايمز والإندبندنت وArchitects’ Journal—يؤكد أن المملكة وصلت إلى لحظة مراجعة قسرية:

الأموال تتقلص، الحلفاء الهندسيون يغادرون، والمشاريع التي وُصفت يومًا بـ”المستقبلية” صارت تُدرَج في خانة “قيد المراجعة”.

“ذا لاين”: من هندسة المستقبل إلى درسٍ في الاستنزاف

مشروع “ذا لاين” الذي وُصف بأنه رمز التحوّل الحضري العالمي، يُواجه الآن مصيره الواقعي: خطٌّ رملي طويل لم يتجاوز الحفر التجريبي، ومكاتب هندسية تُقلّص موظفيها تباعًا.

تقارير الإندبندنت ولادبايبل قالت بوضوح إن المشروع “قد لا يكتمل أبدًا”.

الطموح الهندسي كان يصطدم من البداية بمعادلات الكلفة والطبيعة؛ فمدينة بطول 170 كيلومترًا تحتاج إلى ما يفوق ناتج عشر دول مجتمعة.

أحد المهندسين العاملين في المشروع لخّص الأزمة بجملة واحدة:

 “كنا نصمم مدينة للخيال، لا للبشر.”

اليوم، تُخفض الإنشاءات إلى أقل من 2% من المساحة المخططة.

الوعود التقنية تحوّلت إلى ديون، والتمويل إلى عبء على الموازنة، فيما يُعاد تسويق المشروع بصفته “تجربة معمارية” لا مدينة حقيقية.

تراجعات معلنة ومخفية: انهيار تسلسل “المشاريع العملاقة”

تقرير ذا تايمز الأخير عن “داء دبي” الذي أصاب السعودية لم يكن مجازيًا. بل هو اعتراف من داخل السلطة بأن سياسة البهرجة سبقت التخطيط.

التقرير أشار إلى أن الحكومة أوقفت العمل جزئيًا في مشاريع مركزية مثل “تروجينا” و“المربع الجديد”، ونقلت فعاليات كانت مقررة إلى الخارج لتقليل الخسائر.

حتى مسؤولو ابن سلمان باتوا يتحدثون عن “أعوام من التقشف الإجباري” قبل إعادة التشغيل الكامل.

التحوّل في اللهجة الرسمية واضح: من لغة “المعجزة العمرانية” إلى خطاب “إعادة الجدولة”.

وفي الاقتصاد، إعادة الجدولة لا تعني سوى شيء واحد: عجز سيولة وديون مؤجلة.

المعماريون الغربيون يغادرون الصحراء

بعد سنوات من التهافت البريطاني على العقود السعودية، نشرت مجلة المهندسين المعماريين تحقيقًا لافتًا:

 “فترة الهوس السعودي بالمصممين البريطانيين انتهت.”

لم تعد العقود المليارية ولا الأسعار الفاحشة موجودة، وأصبحت الأرباح في السوق السعودي مماثلة لأسواق مستقرة مثل أستراليا أو الولايات المتحدة.

السبب؟ تراجع التمويل، تعقيد البيروقراطية، وعدم اليقين حول استمرار المشاريع.

شركات كانت تتفاخر بعقودها في “نيوم” باتت اليوم تغلق مكاتبها مؤقتًا في الرياض أو تُجمّد فرق التصميم بانتظار “وضوح الرؤية”.

النتيجة أن السعودية فقدت ميزتها الجاذبة كمختبر معماري عالمي، بعد أن استنفدت الحماسة وارتبكت في التخطيط.

حتى المهندسون الذين بقوا في الميدان باتوا يتحدثون عن تأخيرات تمتد لعامين أو أكثر، وعن طلبات متكررة لتقليص المساحات، وتخفيض جودة المواد لتقليل النفقات.

ما وراء الجدران الزجاجية: العجز المالي يعيد تشكيل “الرؤية”

تقديرات العجز في ميزانية 2025 تجاوزت 65 مليار دولار، وفق أرقام وزارة المالية نفسها.

تزامن ذلك مع انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 85 دولارًا للبرميل، في حين يحتاج الاقتصاد السعودي إلى سعر يفوق 90 دولارًا لتحقيق التوازن.

ومع تضخم التزامات صندوق الاستثمارات العامة في الخارج، تقلّصت قدرة الحكومة على الاستمرار في الإنفاق بنفس الوتيرة.

بمعنى آخر، الدولة التي أرادت أن تموّل المستقبل من جيب النفط، اكتشفت أن النفط لم يعُد كافيًا لتمويل الحلم.

ومن هنا بدأت لغة “إعادة الترتيب” تحلّ محلّ لغة “التحوّل”.

الصورة المكسورة: “رؤية” تحوّلت إلى حملة دعائية طويلة

إذا كان العقد الماضي هو عقد “الترويج”، فإن العقد الحالي بدأ يتحول إلى عقد “التراجع المنظّم”.

كلّ مشروع ضخم تحوّل من شعارٍ للتحوّل إلى رمزٍ للتعثر:

  • “ذا لاين” معلّقة.
  • “تروجينا” مُرحّلة.
  • “المربع الجديد” مؤجّل.
  • والمصممون يغادرون دون ضجيج.

في المقابل، تُضخ الأموال في فعاليات ترفيهية مؤقتة: سباقات، حفلات، وبطولات لا تخلّف قيمة اقتصادية حقيقية.

البلد الذي كان يريد أن يُبهر العالم بالحداثة، بات اليوم يُدير صورًا لإخفاء تباطؤ الواقع.

وعود التنمية بلا تنمية

المواطن السعودي، الذي أُقنع بأن “رؤية 2030” ستوفر الوظائف وتحسّن المعيشة، يواجه الآن ارتفاع الأسعار وتباطؤ التوظيف وتقلص المشاريع الإسكانية.

التحول الحقيقي الذي وُعِد به لم يتحقق في الاقتصاد الإنتاجي أو في فرص العمل المستدامة.

الاستثمار ذهب إلى الزجاج والفولاذ، لا إلى الإنسان.

واليوم، عندما يُجمّد العمل في تلك المشاريع، يكتشف الجميع أن القاعدة الاقتصادية لم تُبنَ أصلًا.

من أبراج الوهم إلى أرض الحساب

ما يجري اليوم في السعودية ليس مجرد مراجعة مالية، بل انهيار لنموذج التنمية الدعائي الذي ربط التقدم بالاستعراض.

انهارت الصورة لأن الأساس لم يكن تنميةً متدرجة بل سباقًا للسبق الإعلامي.

من ذا لاين إلى تروجينا، ومن المربع الجديد إلى المكاتب الأجنبية الراحلة، تتكشف الحكاية:

بلدٌ استنزف موارده ليصنع انطباعًا، ثم اكتشف أن الانطباع لا يبني مدينة.

الرؤية التي وُلدت لتصنع المستقبل باتت اليوم تُعيد النظر في الحاضر، بعد أن سقطت تحت ثقل مبانيها غير المكتملة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية