على مدى سنوات، حاولت السعودية تقديم نفسها باعتبارها الدولة التي لا تعرف الحدود في الإنفاق والطموح. مدن مستقبلية في قلب الصحراء، بطولات رياضية بمليارات الدولارات، استثمارات عالمية في التكنولوجيا والترفيه والألعاب الإلكترونية، وصفقات ضخمة تمتد من هوليوود إلى كرة القدم الأوروبية. كان المشهد أشبه بإعلان عالمي دائم يقول إن المال السعودي قادر على شراء المستقبل وإعادة تشكيل صورة المملكة بالكامل.
لكن اليوم، تبدو هذه الحقبة وكأنها تقترب من نهايتها. فالمملكة التي أنفقت بلا سقف طوال سنوات بدأت تدخل مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة إعادة الحسابات القاسية، وتأجيل المشاريع، وإلغاء العقود، وتقليص الطموحات تحت ضغط العجز المالي وتراجع الإيرادات النفطية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
العنوان الحقيقي لما يحدث ليس “إعادة ترتيب الأولويات” كما تحاول الرياض تسويقه، بل وصول نموذج الإنفاق المفتوح إلى حدوده القصوى. فالاقتصاد الذي بُنيت عليه رؤية 2030 لم يتحول فعليًا إلى اقتصاد متنوع ومستقل عن النفط، بل أصبح أكثر اعتمادًا على الإنفاق الحكومي والديون والصندوق السيادي لتمويل سلسلة هائلة من المشاريع العملاقة التي تستهلك الأموال بوتيرة غير مسبوقة.
وخلال سنوات قليلة فقط، انتقلت السعودية من خطاب “نحن نبني المستقبل” إلى خطاب “الكفاءة” و”ترشيد الإنفاق” و”إعادة تقييم المشاريع”. وهذا التحول وحده يكشف حجم الأزمة التي بدأت تضرب النموذج الاقتصادي الذي أراده محمد بن سلمان أن يكون علامة عصره السياسية والتاريخية.
“رؤية 2030” من مشروع تنويع اقتصادي إلى ماكينة حرق أموال
حين أُطلقت رؤية 2030 عام 2016، جرى تسويقها باعتبارها خطة تاريخية لفك ارتباط السعودية بالنفط وبناء اقتصاد حديث قائم على الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والترفيه.
لكن ما حدث عمليًا كان مختلفًا تمامًا. فبدل بناء قاعدة إنتاجية تدريجية ومستقرة، دخلت الدولة في سباق هائل لإطلاق مشاريع عملاقة في كل الاتجاهات دفعة واحدة: نيوم، ذا لاين، تروجينا، سندالة، المكعب، كأس العالم، بطولات الغولف، الملاكمة، الألعاب الإلكترونية، وصفقات عالمية بمليارات الدولارات.
هذه المشاريع لم تكن مجرد خطط تنموية، بل أدوات دعائية ضخمة صُممت لصناعة صورة عالمية جديدة لمحمد بن سلمان والسعودية. ولذلك كان التركيز دائمًا على الحجم والضجيج الإعلامي والانبهار البصري أكثر من التركيز على الجدوى الاقتصادية الواقعية.
وخلال الطفرة النفطية في 2021 و2022، بدا وكأن الدولة تعيش لحظة ثقة مطلقة. الأموال تتدفق، والمشاريع تتوسع، والعالم يتحدث عن “السعودية الجديدة”. لكن المشكلة أن هذه الطفرة أخفت هشاشة النموذج نفسه.
فبمجرد تراجع أسعار النفط وعودة التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف التمويل، بدأت المشاريع تتعثر بسرعة مذهلة. فجأة، ظهرت فجوة هائلة بين الطموحات والقدرة الحقيقية على التمويل.
المشاريع التي قُدمت للعالم باعتبارها “مستقبل البشرية” بدأت تُصغَّر أو تُؤجل أو تُلغى أجزاء منها. العقود تُنهى، الشركات تنسحب، وخطاب “التحول التاريخي” تحول إلى لغة تقشف مبطنة تتحدث عن “الأولويات” و”الكفاءة”.
والأخطر أن هذه الأزمة كشفت حقيقة لم تتغير رغم كل الدعاية: السعودية ما تزال رهينة النفط بالكامل تقريبًا، وأن كل ما بُني خلال العقد الماضي كان يعتمد في النهاية على استمرار تدفق العائدات النفطية بنفس القوة.
“المال لا يصنع مدنًا” كيف انكشفت حدود القوة السعودية؟
واحدة من أكبر المشكلات التي كشفتها الأزمة الحالية أن السلطة السعودية تعاملت مع المال وكأنه بديل عن التخطيط الواقعي.
في نيوم مثلًا، جرى الإعلان عن مدن ومشاريع تتجاوز حتى قدرات دول صناعية كبرى، دون وجود مسار تنفيذي منطقي أو قاعدة اقتصادية واضحة تضمن استدامتها. النتيجة كانت إنفاق عشرات المليارات على بنى غير مكتملة، بينما تتحول بعض المشاريع تدريجيًا إلى مواقع بناء متعثرة أو شبه مهجورة.
سندالة تحولت إلى مثال صارخ على هذا الفشل. الجزيرة التي قُدمت كواجهة سياحية فاخرة للمستقبل بدت بعد سنوات قليلة وكأنها فقدت الحياة، رغم المليارات التي أُنفقت عليها. وذا لاين، المشروع الذي كان يفترض أن يعيد تعريف المدن عالميًا، بدأ يتقلص ويتراجع تحت ضغط الكلفة الهائلة وعدم واقعية التنفيذ.
حتى مشاريع الرياضة التي استُخدمت لتحسين صورة المملكة عالميًا بدأت تواجه أزمة مشابهة. ليف غولف، التي ابتلعت مليارات الدولارات، فشلت في جذب جمهور حقيقي أو تحقيق نموذج اقتصادي مستدام. والبطولات والمهرجانات الضخمة تحولت إلى التزامات مالية مستمرة أكثر من كونها استثمارات منتجة.
وفي الخارج، لم تحقق الاستثمارات السعودية النتائج التي وُعد بها الناس. فبعض الرهانات الكبرى في التكنولوجيا والسيارات الكهربائية والإعلام والألعاب الإلكترونية تحولت إلى خسائر أو مشاريع عالية المخاطر تستهلك السيولة دون عوائد واضحة.
وهكذا، بدأت تتكشف حدود القوة المالية السعودية نفسها. فحتى الصندوق السيادي، الذي كان يُقدَّم كآلة استثمارية لا تُقهر، أصبح يواجه ضغوطًا متزايدة تتعلق بالسيولة والديون والقدرة على تمويل كل هذه الالتزامات الضخمة في الوقت نفسه.
“نهاية عصر البذخ السياسي”حين تتحول المشاريع العملاقة إلى عبء على الدولة
الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة نموذج سياسي كامل.
محمد بن سلمان بنى شرعيته الجديدة على فكرة أن السعودية تدخل عصرًا مختلفًا: عصر المدن الذكية، والبطولات العالمية، والانفتاح، والاستثمارات العملاقة. لكن هذه الشرعية أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على الاستمرار في الإنفاق بنفس الوتيرة.
ومع اتساع العجز المالي وارتفاع الدين العام وتزايد الضغوط الإقليمية، بدأت الدولة تدخل مرحلة أكثر حساسية. لأن المشكلة لم تعد فقط في المشاريع المتعثرة، بل في قدرة النظام نفسه على الحفاظ على صورة “القوة الصاعدة” التي صُنعت خلال السنوات الماضية.
ولهذا نرى اليوم تحولًا واضحًا في الخطاب الرسمي: لم يعد الحديث عن “مشاريع بلا حدود”، بل عن “التركيز على الضروري” و”خفض الإنفاق” و”إعادة تقييم الاستثمارات”.
لكن المشكلة أن هذه المراجعات تأتي بعد سنوات من الإنفاق الهائل الذي خلق التزامات ضخمة يصعب التراجع عنها بسهولة. فالسعودية ليست أمام مشروع واحد يمكن إلغاؤه، بل أمام شبكة هائلة من المشاريع والعقود والاستثمارات التي تحتاج إلى تمويل مستمر للحفاظ على الحد الأدنى من صورتها.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد: بطالة، ارتفاع تكاليف المعيشة، ضرائب ورسوم متزايدة، بينما يرى المواطنون مليارات الدولارات تُنفق على مشاريع لم تغيّر واقعهم المعيشي بالشكل الذي وُعدوا به.
“حين ينتهي خط الإنفاق”.. السعودية تواجه الحقيقة التي حاولت تأجيلها لعقد كامل
ما يحدث اليوم داخل السعودية ليس مجرد تباطؤ اقتصادي عابر، بل لحظة اصطدام بين الطموح غير المحدود والواقع المالي والسياسي الحقيقي.
فالدولة التي حاولت بناء “المستقبل” عبر الإنفاق المفتوح والدعاية العالمية تجد نفسها اليوم مضطرة للاعتراف، ولو بشكل غير مباشر، بأن المال وحده لا يكفي لبناء اقتصاد مستدام أو مدن حقيقية أو نفوذ دائم.
المشاريع العملاقة التي صُنعت لتكون رموزًا للقوة أصبحت تتحول تدريجيًا إلى رموز للاستنزاف. والاستثمارات التي قُدمت كرهانات تاريخية باتت تثير أسئلة متزايدة حول الجدوى والعائد الحقيقي.
وفي النهاية، قد تستطيع السعودية تأجيل بعض المشاريع، أو إعادة هيكلة الإنفاق، أو البحث عن مصادر تمويل جديدة، لكنها لن تستطيع إخفاء الحقيقة الأساسية التي أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: أن طفرة محمد بن سلمان المالية لم تنهِ اعتماد المملكة على النفط، بل بنت فوقه طبقة هائلة من الالتزامات والمخاطر، حتى وصلت الدولة إلى اللحظة التي بدأ فيها “خط الإنفاق المفتوح” يقترب من نهايته الفعلية





