الصدمة بعد الضجيج: كيف تفضح الأرقام ما أخفته الدعاية؟

الصدمة بعد الضجيج: كيف تفضح الأرقام ما أخفته الدعاية؟

ذا لاين
ذا لاين

لم تعد المؤشرات الاقتصادية السلبية التي تسجّلها السعودية في أواخر 2025 وبدايات 2026 مجرد تقلبات دورية يمكن احتواؤها بالتصريحات أو التطمينات الرسمية، بل باتت ترسم صورة متماسكة لأزمة هيكلية تتعمّق خلف واجهة خطاب طموح. ارتفاع البطالة، تباطؤ القطاع غير النفطي، ضغوط التمويل، وتراجع أسعار النفط، كلها تتقاطع مع مأزق المشاريع العملاقة، وعلى رأسها «ذا لاين»، لتكشف فجوة واسعة بين السردية السياسية والواقع الاقتصادي. ما يحدث ليس تعثرًا عابرًا في التنفيذ، بل اختبارًا قاسيًا لمدى واقعية الرؤية برمتها، وقدرتها على الصمود حين تُختبر بالأرقام لا بالشعارات.

سوق عمل يتراجع رغم سنوات “الإصلاح”

التحول الأخطر يتمثل في سوق العمل. فبعد سنوات من الترويج لانخفاض البطالة بوصفه أحد إنجازات الرؤية، عاد المؤشر للارتفاع إلى 7.5% بين السعوديين بنهاية الربع الثالث من 2025، مقارنة بـ6.3% في بداية العام. هذا الارتفاع المتتالي للربع الثاني على التوالي يفضح هشاشة التحسن السابق، ويؤكد أنه كان مدفوعًا أكثر بالإنفاق الحكومي والوظائف المرتبطة بمشاريع صندوق الاستثمارات العامة، لا بتحول هيكلي مستدام في الاقتصاد.

الأكثر دلالة هو تراجع نسبة المشاركة في القوى العاملة، أي خروج شريحة من المواطنين من دائرة البحث عن عمل. هذا الانسحاب الصامت لا يُفسَّر إلا بالإحباط من محدودية الفرص، ويُعد مؤشرًا نوعيًا أخطر من رقم البطالة نفسه. حين يتوقف الناس عن البحث، فهذا يعني أن السوق لم يعد مقنعًا، وأن وعود الاستيعاب لم تعد قابلة للتصديق.

ولا يمكن عزل ذلك عن خفض الإنفاق وتأثيرات تباطؤ الشركات المرتبطة بالمشاريع الكبرى، حيث بدأت هذه الكيانات، التي كانت تُقدَّم كقاطرة التوظيف، تُقلّص التوسع وتشدّد شروط التوظيف، ما انعكس مباشرة على استيعاب القوى العاملة الوطنية.

قطاع خاص يترنح وتمويل يضيق

على مستوى النشاط الاقتصادي، تُظهر بيانات مؤشر مديري المشتريات غير النفطي تراجع وتيرة التوسع إلى 57.4 في ديسمبر 2025، وهو أدنى مستوى خلال أربعة أشهر. صحيح أن المؤشر ما زال فوق عتبة النمو، لكن الاتجاه التنازلي يعكس تباطؤ الطلب الجديد وضغوط التكلفة والتضخم على الشركات. هذا التباطؤ يضرب في الصميم سردية “الاقتصاد غير النفطي القوي”، التي بُنيت عليها الرؤية بوصفها البديل عن النفط.

في المقابل، يواجه القطاع المصرفي ضغوطًا متزايدة. فارتفاع تكاليف التمويل وتباطؤ نمو الودائع ضغطا على الهوامش الربحية للبنوك خلال الربع الثالث من 2025، رغم بقاء النشاط الإقراضي وجودة الأصول في حالة تماسك نسبي. هذه المفارقة تعني أن البنوك تُقرض أكثر في بيئة تمويل أصعب، وهو وضع لا يمكن استدامته طويلًا دون مخاطر على الاستقرار المالي.

وتتزامن هذه الضغوط مع تراجع أسعار النفط بنحو 20% خلال 2025، في أسوأ أداء منذ سنوات. انعكس ذلك على السوق المالية، حيث أغلق المؤشر السعودي منخفضًا، وتراجعت أسهم بنوك كبرى. في اقتصاد ما زال يعتمد جوهريًا على النفط، يصبح أي هبوط سعري بمثابة إنذار مبكر، لا يمكن تجاهله بخطاب التفاؤل.

الاقتراض كحل دائم لا كخيار مؤقت

في مواجهة هذا المشهد، أقرت السعودية خطة اقتراض لعام 2026 بقيمة 217 مليار ريال لتغطية العجز وسداد الديون المستحقة. هذا الرقم، بحد ذاته، يعكس انتقال الاقتراض من أداة استثنائية لإدارة الفجوات إلى خيار تمويلي شبه دائم. ومع كل جولة دين جديدة، تتقلّص مساحة المناورة المستقبلية، وتزداد كلفة خدمة الدين على الميزانية.

الأخطر أن الاقتراض يتزامن مع تحميل المواطن أعباء “إصلاح المالية العامة” منذ 2016: ضرائب غير مباشرة، رفع أسعار الطاقة، تقليص دعم، وتراجع القدرة الشرائية. ورغم ذلك، لم ينخفض الاعتماد على الدين، ما يطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: إذا لم تُنتج هذه التضحيات استدامة مالية، فأين الخلل؟ وهل المشكلة في الإيرادات أم في نموذج الإنفاق نفسه؟

«ذا لاين»: من أيقونة المستقبل إلى عبء الواقع

في قلب هذا المأزق يقف مشروع «ذا لاين»، الذي رُوّج له باعتباره تجسيدًا لثورة عمرانية واقتصادية غير مسبوقة. مدينة بطول 110 أميال، بلا سيارات، بصفر انبعاثات، وتكلفة تقارب 500 مليار دولار. غير أن الوقائع المتراكمة قلبت الصورة رأسًا على عقب. فالمراجعات الاستراتيجية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتقلب أسعار النفط، كلها دفعت إلى تقليص جذري في نطاق المشروع.

التوقعات السكانية انخفضت من ملايين إلى أقل من 300 ألف نسمة بحلول نهاية العقد، وما قد يُستكمل بحلول 2030 لا يتجاوز 1.5 ميل فقط. هذا التقلص لا يمس التفاصيل التنفيذية فحسب، بل ينسف الأساس الرمزي الذي بُني عليه المشروع كقاطرة لتنويع الاقتصاد.

وتكشف أرقام التوازن المالي عمق الأزمة: تحتاج السعودية إلى سعر نفط يقترب من 96 دولارًا للبرميل لتحقيق توازن الميزانية، ويرتفع إلى أكثر من 110 دولارات لتمويل المشاريع العملاقة، في حين كانت الأسعار تدور حول منتصف الخمسينات. هذا الفارق يفسّر موجة مراجعة الأولويات، وطلب تعديل التصاميم، وتقليص القوى العاملة، ونقل الموظفين، وكلها مؤشرات على ضغط مالي حقيقي.

حتى التصميم الذي قُدّم بوصفه معجزة هندسية تحوّل إلى عبء. واجهات عاكسة بارتفاع 1,500 قدم وعرض 600 قدم عبر تضاريس قاسية، تتطلب وتيرة بناء شبه مستحيلة. خبراء شككوا منذ البداية في واقعية الجدول الزمني، معتبرين أن التنفيذ كان يتطلب معدلات بناء غير مسبوقة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية