العلم الإسرائيلي يستعد للظهور في الرياض الألعاب الإلكترونية تفتح بابًا تجاوزته الدبلوماسية

العلم الإسرائيلي يستعد للظهور في الرياض الألعاب الإلكترونية تفتح بابًا تجاوزته الدبلوماسية

لم تعد القضية حديثًا عن لقاء رياضي عابر، ولا مشاركة فردية يمكن تقديمها باعتبارها منفصلة عن العلاقات السياسية. وفق المعلومات المنشورة عن بطولة كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية المقرر إقامتها في الرياض في نوفمبر المقبل، تلقى ممثلون إسرائيليون دعوتين مباشرتين للمشاركة في منافسات EA Sports FC والشطرنج، بينما يقول رئيس رابطة الألعاب الإسرائيلية إيدو بروش إن المنظمين وافقوا على مطلب المشاركة بصفة رسمية وتحت العلم الإسرائيلي.

وإذا جرت المشاركة بهذه الصورة بالفعل، فإن المشهد سيحمل دلالة سياسية يصعب اختزالها في عبارة «الرياضة منفصلة عن السياسة»: وفد إسرائيلي رسمي، وعلم إسرائيلي، ومنافسة دولية تقام في العاصمة السعودية، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين الرياض وتل أبيب.

والأكثر إثارة أن الجانب الإسرائيلي نفسه لا يتعامل مع الأمر باعتباره مشاركة رياضية عادية.

«ما لم يحدث في الدبلوماسية يحدث في الألعاب»

هذا هو المعنى الذي يقدمه تقرير نشرته «واينت»، والذي كتبه إيدو بروش عن المشاركة المرتقبة.

وبحسب التصريحات المنقولة عنه، يقول بروش:

«في نوفمبر المقبل في الرياض، السعودية، من المتوقع أن يصعد فريق ألعاب إسرائيلي رسمي إلى المسرح لأول مرة».

كلمة «رسمي» هنا هي الأهم.

فبروش لا يريد مشاركة لاعب يحمل الجنسية الإسرائيلية بصورة فردية، ولا وفدًا تحت راية البطولة، ولا صيغة محايدة تتجنب الإحراج السياسي.

بل يشدد، بحسب التقرير، على أن المشاركة ستكون بالهوية الإسرائيلية الكاملة.

ويقول بوضوح إن موقفهم كان: إذا شاركت إسرائيل فستشارك رسميًا، دون تستر.

العلم شرط والمنظمون «تعاونوا بالكامل»

بحسب بروش، كان هناك شرط إسرائيلي أساسي للمشاركة:

العلم الإسرائيلي.

ويقول إن المنظمين أبدوا «تعاونًا كاملًا» مع هذا الشرط.

إذا تحقق ذلك في نوفمبر، فلن تعود المسألة مجرد السماح بدخول لاعبين إسرائيليين إلى بطولة دولية تستضيفها السعودية.

فالقبول بالوفد تحت العلم يعني الاعتراف بهويته الوطنية داخل الحدث: الاسم، والعلم، والتمثيل الرسمي في جدول المنافسات.

وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة التي قدمها بروش مع إندونيسيا لافتة.

فهو يقول إن منظمي بطولة سابقة في إندونيسيا طلبوا من الإسرائيليين المشاركة دون علم وتحت زي أبيض محايد، فرفضوا.

أما في الحالة السعودية، وفق روايته، فلم يواجه الشرط المشكلة نفسها.

بعبارة أخرى، الرجل نفسه يقدم التجربة السعودية بوصفها أكثر قبولًا للرموز الإسرائيلية من تجربة دولة إسلامية أخرى.

«أتمنى أن تعامل الدول إسرائيل كما تعاملها السعودية»

لكن العبارة الأكثر إحراجًا سياسيًا ربما ليست المتعلقة بالعلم.

بروش يقول، وفق النص المنقول:

«أتمنى لو تعامل جميع الدول الإسرائيليين بالطريقة التي تعامل بها السعودية».

إنها شهادة لافتة لأنها تأتي من مسؤول في منظومة الألعاب الإسرائيلية نفسها.

وبحسب روايته، فإن السعوديين الذين تعامل معهم لم تكن لديهم مشكلة في التعامل مع الإسرائيليين، ويصف العلاقة الإنسانية بينهم بصورة إيجابية للغاية.

من حيث المبدأ، حسن معاملة الأشخاص بصرف النظر عن جنسيتهم ليس أمرًا يستحق الانتقاد؛ بل هو السلوك الطبيعي في أي فعالية دولية.

لكن القضية السياسية مختلفة: لماذا تحظى المشاركة الإسرائيلية الرسمية بهذه السهولة، وفي هذا التوقيت تحديدًا، وما حدود الفصل فعلًا بين الانفتاح الرياضي والعلاقة السياسية؟

الرياضة تفعل ما لم تفعله السفارات

السعودية لا تقيم، حتى الآن، علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

لكن الأحداث الدولية تخلق مساحات لا تحتاج إلى سفارة حتى تظهر فيها رموز الدولة.

وهنا تكمن أهمية الرياضة.

لا يحتاج الأمر إلى توقيع اتفاق تطبيع حتى يصل لاعب إسرائيلي إلى الرياض.

ولا يحتاج إلى تبادل سفراء حتى يظهر اسم إسرائيل على شاشة بطولة دولية.

ولا يحتاج إلى فتح سفارة حتى يُرفع العلم إذا كانت قواعد المنافسة والمنظمون يسمحون بذلك.

وهكذا يمكن للرياضة أن تنتج وقائع تطبيعية صغيرة ومتراكمة تسبق القرار السياسي الكبير.

هذه المرة المشروع ممول سعوديًا

الأمر يصبح أكثر حساسية لأننا لا نتحدث عن بطولة أجنبية أُجبرت السعودية على استضافتها بقواعد لا تستطيع التحكم فيها.

المشروع الرياضي الإلكتروني السعودي جزء من استراتيجية حكومية ضخمة لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للألعاب والرياضات الإلكترونية، وهو قطاع ضُخت فيه استثمارات هائلة عبر الجهات المرتبطة بالدولة وصندوق الاستثمارات العامة.

وبالتالي فإن القول إن المسألة مجرد حدث دولي لا يكفي وحده للإجابة عن الأسئلة.

فالسعودية هي التي تريد البطولة.

والرياض هي التي تستضيفها.

والمشروع جزء من استراتيجيتها الرياضية.

ومن هنا تصبح شروط المشاركة والرموز المسموح بها جزءًا من مسؤولية الجهة المنظمة.

من EA Sports FC إلى الشطرنج

واللافت أيضًا أن الأمر لا يتعلق بدعوة وحيدة فرضتها ظروف التأهل.

بحسب المعلومات المذكورة، هناك دعوتان مباشرتان للمشاركة في لعبتين: EA SportsFC والشطرنج.

وهذا يضيف بعدًا مختلفًا.

فالدعوة المباشرة تختلف في دلالتها عن لاعب إسرائيلي يتأهل تلقائيًا عبر بطولة دولية ثم تجد الدولة المضيفة نفسها أمام التزامات تنظيمية.

إذا كانت الدعوات بالفعل صادرة مباشرة وفق نظام البطولة، فمن المشروع السؤال عن الجهة التي اختارت المنتخبات المدعوة، والمعايير المستخدمة، وما إذا كانت المشاركة بالعلم والاسم الرسمي جزءًا معروفًا سلفًا من شروط الدعوة.

التطبيع الناعم لا يحتاج إلى بيان سياسي

هنا تظهر الصورة الأوسع.

التطبيع ليس دائمًا احتفالًا في البيت الأبيض يوقع فيه وزراء الخارجية أوراقًا أمام الكاميرات.

هناك أيضًا تطبيع اجتماعي ورياضي وثقافي واقتصادي.

يبدأ بصورة.

ثم مشاركة.

ثم علم.

ثم وفد رسمي.

ثم يصبح وجود الطرف الآخر مألوفًا إلى درجة أن السؤال بعد سنوات لا يعود: «كيف سُمح بهذا؟»، وإنما: «لماذا كان هذا مثيرًا للجدل أصلًا؟».

وهذه تحديدًا قوة الرياضة والترفيه في إعادة تشكيل الصورة العامة.

السؤال الفلسطيني حاضر مهما حاولت الرياضة تجاهله

يمكن للمنظم أن يقول إن البطولة مفتوحة للجميع.

ويمكن القول إن اللاعبين ليسوا مسؤولين عن قرارات حكوماتهم.

وهذا صحيح على مستوى الأفراد.

لكن رفع علم دولة داخل حدث ممول ومستضاف رسميًا لا يمكن فصله بالكامل عن السياسة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والسعودية في ظل استمرار القضية الفلسطينية وغياب العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين.

فالرمز الذي يظهر على الشاشة ليس علم اللاعب، وإنما علم الدولة التي يمثلها.

ولهذا لا تبدو مصادفة أن يحتفي الجانب الإسرائيلي نفسه بالدلالة السياسية للمشاركة.

الإسرائيليون أكثر صراحة في وصف ما يحدث

ربما تكون هذه النقطة الأكثر لفتًا للانتباه.

ليس منتقدو الحكومة السعودية وحدهم من يقرؤون الحدث سياسيًا.

وفق التقرير المنقول، رئيس رابطة الألعاب الإسرائيلية نفسه يتحدث عن المشاركة بـ«فخر إسرائيلي»، ويصر على الرسمية والعلم، ويقارن المعاملة السعودية بدول أخرى، ثم يتمنى أن تعامل بقية دول العالم الإسرائيليين كما تعاملهم السعودية.

أي أن الطرف الإسرائيلي لا يحاول إخفاء الرمزية.

بل على العكس، يبرزها.

وهذا يجعل تقديم الأمر داخل السعودية بوصفه مجرد بطولة تقنية أكثر صعوبة.

هل أصبحت الرياض منصة لما لم تستطع السياسة إعلانه؟

هذا هو السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحًا إذا ظهر المنتخب الإسرائيلي بالفعل في نوفمبر بالاسم والعلم.

فالسعودية تؤكد رسميًا أن موقفها من العلاقات مع إسرائيل مرتبط بالقضية الفلسطينية ومسار إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، إذا كانت الرواية المنشورة دقيقة، تستعد العاصمة نفسها لاستقبال فريق إسرائيلي رسمي تحت العلم الإسرائيلي في مشروع رياضي يحظى بدعم حكومي.

قد تقول الرياض إن هذا لا يساوي اعترافًا دبلوماسيًا، وهذا صحيح من الناحية الرسمية.

لكن غياب السفارة لا يعني غياب التطبيع العملي في مجالات أخرى.

الاختبار الحقيقي سيكون في نوفمبر

حتى الآن، نحن أمام مشاركة مرتقبة وتصريحات من الجانب الإسرائيلي بشأن شكلها وشروطها. ولذلك ينبغي انتظار الحدث نفسه قبل الجزم بأن العلم سيرفع فعليًا في الرياض بالطريقة الموصوفة.

لكن إذا حدث ما يقوله إيدو بروش، فستكون الصورة أقوى من عشرات البيانات.

لن يحتاج أحد إلى تحليل تصريحات غامضة لمسؤول سعودي أو البحث عن لقاء خلف الأبواب المغلقة.

سيكون المشهد أمام الجمهور: منتخب يمثل إسرائيل رسميًا، يحمل اسمها وعلمها، داخل بطولة تقام في الرياض.

وعندها سيكون السؤال أبعد من الألعاب الإلكترونية.

فبينما لا تزال الحكومة السعودية تقول إن التطبيع السياسي له شروطه، يبدو أن مساحات أخرى تتحرك بسرعة أكبر: الرياضة، والأعمال، والتكنولوجيا والفعاليات الدولية.

والأشد دلالة أن الجانب الإسرائيلي نفسه أصبح يقول علنًا إنه وجد في السعودية معاملة يتمنى أن يجدها في بقية العالم.

لهذا فإن قصة نوفمبر، إذا اكتملت بالصورة التي أعلنها الجانب المشارك، لن تكون خبرًا عن لاعبين يمسكون بوحدات تحكم أو يجلسون أمام رقعة شطرنج.

ستكون قصة عن علم إسرائيلي يجد طريقه إلى منصة في العاصمة السعودية قبل أن تجد العلاقات الدبلوماسية الرسمية طريقها إلى السفارات.

وحين يصبح مسؤول في رابطة الألعاب الإسرائيلية قادرًا على القول بفخر: «إذا شاركنا فسنشارك رسميًا، تحت العلم الإسرائيلي»، ثم يؤكد أن المنظمين أبدوا تعاونًا كاملًا، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل السعودية ليس فقط من سيفوز في EA Sports FC أو الشطرنج.

بل: من اتخذ قرار فتح هذه المساحة للتمثيل الإسرائيلي الرسمي، ولماذا يبدو أن الرياضة تتقدم بخطوات على السياسة المعلنة تجاه إسرائيل؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية