القضاء السعودي يفقد آخر أقنعته: 25 عامًا جديدة لمحمد البجادي… حكمٌ ضد العدالة نفسها

القضاء السعودي يفقد آخر أقنعته: 25 عامًا جديدة لمحمد البجادي… حكمٌ ضد العدالة نفسها

قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها
قيدٌ لا ينكسر: دولة تُحدِّث واجهتها وتُصعِّد قمعها

في بلدٍ تروّج سلطته لخطاب “الإصلاح والانفتاح”، بينما تملأ السجون بأصحاب الكلمة، جاء الحكم الجديد ضد الناشط الحقوقي محمد البجادي ليكشف التناقض الصارخ بين الشعارات والواقع.

فبعد أن أنهى الرجل عقوبته السابقة، قررت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض أن تعيده إلى نقطة الصفر: 25 عامًا إضافية من السجن، فقط لأنه تجرأ على الدفاع عن الحقوق الأساسية في وطنٍ لا يحتمل كلمة “حق”.
هذا القرار ليس مجرد انتهاك قضائي، بل بيان سياسي مكتوب بلغة الأحكام الطويلة، يؤكد أن نظام العدالة في السعودية لم يُصلح، بل أُعيدت هندسته لخدمة السلطة لا القانون.
من مؤسس “حسم” إلى سجين أبدي
يُعدّ محمد البجادي أحد أبرز مؤسسي جمعية “الحقوق المدنية والسياسية في السعودية (حسم)” التي حظرتها الحكومة عام 2013، وهو من الجيل الأول للنشطاء الذين حاولوا فتح باب النقاش حول مفهوم المواطنة والحقوق داخل المملكة. منذ ذلك الحين، أصبح اسمه مرادفًا لمقاومة سلمية دفعت ثمنها غاليًا: اعتقالات متكررة، تعذيب، واحتجاز انفرادي.
وفي عام 2018، ضمن حملة استهدفت المدافعين والمدافعات عن حقوق المرأة، أعادت السلطات اعتقاله لتصدر بحقه حكمًا بالسجن عشر سنوات مع وقف تنفيذ نصف المدة. ورغم أنه أنهى محكوميته المفترضة في أبريل 2023، فإن أبواب السجن لم تُفتح له، بل صدر بحقه الآن حكمٌ جديدٌ أطول وأشد قسوة.
بعبارة أخرى، لم يعاقب البجادي على جريمة، بل عوقب لأنه لم يتوقف عن الإيمان بالعدالة.
القضاء كواجهة والانتقام كجوهر
الحكم ضد البجادي ليس حادثًا فرديًا، بل حلقة جديدة في سياسة واضحة: القضاء السعودي كأداةٍ للانتقام السياسي.
فالمحكمة الجزائية المتخصصة، التي أنشئت أصلًا لمحاكمة قضايا الإرهاب، تحولت إلى منصة لإدانة كل صوت مستقل، من الإصلاحيين إلى المدونين وحتى الأكاديميين.
منظمة القسط لحقوق الإنسان وصفت الحكم بأنه “ضربة قاسية لما تبقّى من مصداقية القضاء السعودي”، مؤكدة أن إعادة محاكمة البجادي بعد انتهاء عقوبته “تكريسٌ لنهج القمع الممنهج”.

أما مؤسس المنظمة، يحيى عسيري، فقال بوضوح:
“محمد البجادي لم يكن خطرًا على أحد، خطره الوحيد أنه يذكّر الدولة بواجبها تجاه الإنسان.”
الرسالة إذًا ليست قانونية، بل سياسية: كل من يطالب بالإصلاح سيسمع صدى صوته من خلف القضبان.
الأمم المتحدة: نمط متكرر من الانتهاك
قضية البجادي نوقشت سابقًا في تقارير الأمم المتحدة. ففي أبريل 2025، خصّت المقررة الخاصة للمدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، السعودية بانتقادٍ مباشر، قائلة إن “السلطات تواصل احتجاز النشطاء حتى بعد انتهاء محكومياتهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي”. البجادي هو نموذج لهذا النمط المتزايد: السجين الذي لا تنتهي قضيته أبدًا.
القانون السعودي نفسه لا يجيز إعادة المحاكمة على التهم ذاتها، لكن في غياب الشفافية، تُصنع التهم من جديد، وتُطوى الملفات لتبدأ من الصفر — تمامًا كما يُعاد تدوير الظلم.
بينما تتباهى الحكومة بإفراجات “إنسانية” لبعض المعتقلين، تكشف الوقائع أن هذه الخطوات لا تتجاوز حدود العلاقات العامة.
فالمفرج عنهم يخضعون لحظر السفر والمراقبة الرقمية والمنع من النشاط العام.
أما عشرات غيرهم — من أمثال وليد أبو الخير، عيسى الحامد، محمد العتيبي، إسراء الغمغام، نورة القحطاني، ومناهـل العتيبي — فما زالوا خلف القضبان بأحكامٍ قاسية تتراوح بين 5 و35 عامًا.
وحتى من أُفرج عنهم، يعيشون في سجنٍ أكبر قليلًا من زنزانتهم السابقة: ممنوعون من العمل، من السفر، ومن الكلام. إنها سياسة “إطلاق الصمت” لا إطلاق السراح.

القمع يتسع والإعدامات تتضاعف
يأتي هذا الحكم في لحظةٍ تُسجّل فيها السعودية أعلى معدل إعدامات في تاريخها الحديث.
فبحسب منظمات حقوقية، نُفّذ 314 حكم إعدام حتى نهاية أكتوبر 2025، بينهم سجناء رأي ومتهمون في قضايا غير عنيفة.
وبذلك، تواصل المملكة نهجها في تحويل العدالة إلى آلة قتلٍ بغطاءٍ قانوني.
المنظمات الحقوقية ترى في هذا التصعيد “إشارة إلى انهيار أي نية حقيقية للإصلاح”، إذ يجري القمع هذه المرة بأحكامٍ رسمية لا بخوفٍ غير معلن.

ازدواجية السلطة: انفتاح للكاميرات وانغلاق على الأصوات
في الوقت الذي تستضيف فيه الرياض قمم الاستثمار والذكاء الاصطناعي والرياضة النسائية، يُعذّب في سجونها من دعا إلى أبسط حقوق الإنسان.
تُفتح الأبواب أمام الإعلام الأجنبي لتصوير “رؤية 2030”، بينما تُغلق الزنازين على من تجرأ وقال إن الإصلاح يبدأ بالكرامة والعدالة.
إنها المفارقة التي تختصر المشهد السعودي: بلد يلمّع صورته بالخارج، ويكسر مرآته في الداخل.
قضية محمد البجادي ليست مجرد مأساة فردية، بل مرآة تعكس واقع العدالة في السعودية اليوم: عدالة بلا ضمير، ومحاكم بلا استقلال، وأحكام بلا قانون.
فعندما يتحوّل الدفاع عن الحقوق إلى جريمة، ويصبح الصمت هو الضمانة الوحيدة للسلامة، فإن الدولة تكون قد فقدت بوصلتها الأخلاقية.
إن استمرار سجن البجادي — بعد أن قضى سنوات عمره دفاعًا عن الحرية — هو شهادة حيّة على أن “الإصلاح” في السعودية ما زال كلمة بلا مضمون، ورؤية بلا إنسان.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية