“المال المناخي يتحوّل إلى رشوة دولية: كيف سرق نظام بن سلمان تمويل الضعفاء لتمويل الملوِّثين؟”

“المال المناخي يتحوّل إلى رشوة دولية: كيف سرق نظام بن سلمان تمويل الضعفاء لتمويل الملوِّثين؟”

تحقيق الغارديان الأخير كشف واحدة من أكثر الفضائح وقاحة في المنظومة المناخية الدولية: الدول الأكثر تلويثًا للكوكب تتلقى أموالًا مخصّصة أصلًا لإنقاذ الدول الفقيرة الغارقة في آثار الاحتباس الحراري. وما يثير السخرية السوداء أن النظام السعودي، أحد أكبر عشر دول عالميًا في الانبعاثات، ظهر في قلب هذه الفضيحة، بعد حصوله على مئات ملايين الدولارات من مخصصات يُفترض أنها موجّهة لضحايا التلوّث وليس لمسببيه. التحقيق، كما نشرته الغارديان في تحليل معمّق، يعيد تسليط الضوء على سؤال أخلاقي وسياسي: كيف يسمح العالم لأغنى منتجي النفط بأن يتنكروا لمسؤولياتهم التاريخية بينما يسطون على أموال مُعدّة للبلدان التي يصهرها تغيّر المناخ حرفيًا؟

السياق الذي ترويه الغارديان قاتم ومخجل. نظام “التمويل المناخي” صُمم أصلًا كآلية لنقل رأس المال من الدول الملوِّثة الغنية — المسؤولة عن الجزء الأكبر من الانبعاثات — إلى الدول الضعيفة التي لا تملك القدرة على حماية نفسها من موجات الحرارة والجفاف وارتفاع مستوى البحار. لكن تفاصيل التقرير تكشف أن هذا النظام تحوّل إلى لعبة مصالح سياسية واقتصادية، حيث باتت الأموال تذهب إلى الدول ذات النفوذ، وليس إلى الدول الفقيرة التي تُحرق حرفيًا بفعل السياسات الصناعية لتلك الدول. ومحصلة هذا الانحراف تبرز في رقمٍ فاضح: خُمس التمويل فقط وصل إلى أفقر 44 دولة في العالم خلال عامي 2021 و2022، والأدهى أنه وصل إليها في شكل قروض وليس منح، أي أن الدول الأضعف ستسدد ثمن التكيّف مع الكارثة التي لم تصنعها أصلًا.

وسط هذه الصورة المشوّهة، يبرز النظام السعودي كأحد أبرز المنتفعين من هذا الانحراف. السعودية، التي تصنّفها الغارديان ضمن أكبر الملوِّثين عالميًا، تلقت 328 مليون دولار من اليابان تحت بند “تمويل المناخ”. هذه الدولة ذات الفائض المالي الهائل، والمشاريع الاستعراضية التي تلتهم مئات المليارات مثل نيوم، ورؤية 2030 التي توسّع من بصمتها الكربونية بدل خفضها، تتلقى أموالًا مُفترض أنها تساعد الدول الفقيرة على النجاة. المفارقة ليست صادمة فقط، بل مُهينة لأي معيار بيئي أو إنساني.

“عندما يصبح التمويل المناخي تجارة ورياض بن سلمان على رأس قائمة المشترين”

التحقيق يوضح أن تمويلات اليابان التي سُجلت كمساعدات مناخية ذهبت إلى مشاريع لا تستحق هذا التصنيف أصلًا. 250 مليون دولار خُصصت لشركة الكهرباء السعودية — وهي شركة حكومية عملاقة تملك موارد تفوق ميزانيات دول فقيرة عديدة. هذه ليست دولة بحاجة للمساعدة، بل دولة تنفق بلا حسيب ولا رقيب على مشاريع ترفيهية وبنى تحتية فاخرة وتغييرات عمرانية لا علاقة لها بالبقاء، بينما تتلقى تمويلًا دوليًا صُمم لانتشال دول تكاد تُمحى من الخرائط بسبب الفيضانات وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحر.

الشق الثاني من التمويل، البالغ 78 مليون دولار لمزرعة للطاقة الشمسية، يبدو ظاهريًا مشروعًا أخضر، لكنه في العمق ليس كذلك. هذا النوع من المشاريع تموّله السعودية نفسها عادة بسهولة، وتدمجه في خططها التجميلية لإظهار التزام “مزيف” بالتحوّل للطاقة النظيفة، بينما تواصل توسيع إنتاج النفط، وزيادة قدرات التكرير، وتوسيع المشاريع التي تنفث آلاف الأطنان من الانبعاثات سنويًا. التمويل هنا ليس حاجة، بل فرصة. النظام السعودي وجد في آليات المناخ الدولية بابًا جديدًا ليس لخفض انبعاثاته، بل للحصول على أموال تُسجَّل كـ“مساعدات خضراء” بينما لا تغيّر شيئًا جذريًا في الاقتصاد النفطي.

“البلدان الأقل نماءً تُعاقَب، بينما تكافأ الدول الغنية الملوِّثة”

العبث الأكبر يكمن في بنية تصنيف “البلدان النامية”، الذي يسمح — كما تشير الغارديان — بأن تكون السعودية والإمارات وقطر وحتى “إسرائيل” ضمن الفئة المستفيدة من التمويل الدولي المخصص للإنقاذ المناخي. هذا التصنيف، الذي يعود لعقود، بات أداة للهروب من المسؤولية، حيث تصنَّف دول غنية ذات بصمة كربونية كارثية كدول نامية فقط لأنها ليست جزءًا رسميًا من “الاقتصادات المتقدمة” وفق تصنيفات قديمة فقدت أي معنى أمام الواقع. الخبيرة المناخية التي نقلت عنها الغارديان قالت بوضوح صادم: “من غير المعقول أن تبقى هذه الدول في نفس فئة دول مثل توغو وتونغا وتنزانيا.” كيف لبلدان تمتلك صناديق سيادية بترليونات الدولارات أن تتقاسم الدعم مع دول بالكاد تمتلك شبكة كهرباء ثابتة؟

هذا التشوّه ليس مجرد خلل إداري، بل اقتلاع كامل لروح “العدالة المناخية”. المفترض أن يدفع الملوثون — وعلى رأسهم السعودية — تكلفة الأزمة البيئية التي ساهموا في صنعها. لكن النظام السعودي، عبر الدبلوماسية المالية والتحالفات الجيوسياسية، نجح في البقاء ضمن الفئة التي تتلقى الأموال، لا التي تدفعها. هذا الالتفاف على المسؤولية الدولية ليس صدفة، بل تكتيك سياسي طويل الأمد يسمح للنظام بتجنّب أي التزامات حقيقية لخفض الانبعاثات بينما يستمر في التوسع النفطي.

“النظام السعودي ملوّث عالمي يحوّل أموال المناخ إلى صفقات تجميلية”

السعودية تقدم نفسها للعالم في السنوات الأخيرة كقوة “خضراء” صاعدة، عبر مشاريع الطاقة المتجددة، وزراعة الأشجار، وخطط التحوّل البيئي التي تملأ صفحات الصحافة الرسمية. لكن الحقائق التي تكشفها الغارديان تنسف هذا الخطاب بالكامل. النظام السعودي واحد من أكبر منتجي النفط، ومن أكثر مؤيدي التوسع في الوقود الأحفوري، ومن أكثر الدول عرقلةً للاتفاقيات البيئية داخل المنظمات الدولية. ومع ذلك يتلقى تمويلًا مخصصًا للضحايا الحقيقيين لأزمة المناخ. الأمر يرقى إلى مستوى الاحتيال المناخي، حيث تُستغل الآليات الدولية لتلميع صورة نظام ملوِّث بدل تحميله مسؤولية أفعاله.

التحقيق يكشف أيضًا كيف تحولت الإمارات — وهي أيضًا دولة نفط — إلى مستفيد كبير من التمويل المناخي، بتلقيها أكثر من مليار دولار من اليابان تحت بند “قروض خضراء”، رغم أنها واحدة من أعلى الدول في الانبعاثات للفرد، ورغم تنظيمها مؤتمر COP28 الذي أظهر للعالم كيف تتحول قضايا المناخ إلى صفقات جانبية بين منتجي النفط والجهات الممولة.

هذه الصورة تُظهر منظومة عالمية منهارة أخلاقيًا، حيث تُهمَّش الدول التي تحتاج فعلاً إلى التمويل — مثل دول إفريقيا جنوب الصحراء وجزر المحيط الهادئ — بينما تتقاسم الدول الغنية الملوِّثة الأموال فيما بينها تحت ستار “تنمية خضراء”.

“أموال الفقراء تذهب لجيوب الملوِّثين: نظام بن سلمان لا يحارب الاحتباس الحراري بل يحارب العدالة المناخية نفسها”

الحقيقة التي يفضحها تحقيق الغارديان لا تقبل التجميل: نظام بن سلمان، بدل أن يتحمل مسؤوليته المناخية، يستغل الثغرات الدولية لنهب الأموال المخصصة للضعفاء. العالم يدفع ثمن التلوث، بينما النظام السعودي يجني أرباحه ويتلقّى الدعم في الوقت نفسه. هذا ليس فشلًا أخلاقيًا فحسب، بل جريمة سياسية بحق ملايين البشر الذين يعيشون على خطوط المواجهة مع كارثة مناخية لم يصنعوها. الطائرات الشبح يمكن شراؤها، والمشاريع الاستعراضية يمكن بناؤها، لكن لا يمكن شراء الشرعية المناخية. ومهما حاول النظام إخفاء بصمته الكربونية، تبقى الحقائق واضحة: الملوِّث الأكبر يتنكر لمسؤوليته ويستولي على التمويل المخصص لإنقاذ من دمّرتهم سياساته.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية