لا يحدث التحول الحقيقي في المجتمعات عبر الأبواب الخلفية ولا يُدار بالهمس، ولا يُختبر على فئات مختارة وفق قدرتها على الدفع. ما يجري اليوم في السعودية ليس “انفتاحًا” بالمعنى المتعارف عليه، ولا إصلاحًا اجتماعيًا نابعًا من نقاش عام أو عقد اجتماعي جديد، بل إعادة هندسة صامتة للهوية تُدار بأدوات السوق، وتُسوَّق كضرورة اقتصادية، وتُحصَّن بالصمت السياسي. السماح الانتقائي ببيع الكحول للأجانب الأثرياء، ضمن شروط مالية صارمة وبلا إعلان رسمي، ليس تفصيلًا هامشيًا، بل علامة كاشفة على نموذج أوسع: دولة تُبدّل المحرّمات حين يخدم ذلك رأس المال، وتُبقي المجتمع خارج غرفة القرار، وتطلب منه في الوقت نفسه تصديق خطاب محافظ لم يعد يطابق الواقع.
الانفتاح الانتقائي سياسة بواجهة اقتصادية وظهرٍ اجتماعي مكشوف
السماح للأجانب غير المسلمين من ذوي الدخل المرتفع بشراء الكحول، ضمن مساحات مغلقة وغير معلّمة، وبشروط إقامة مميّزة وأسعار مرتفعة، يقدَّم بوصفه “تنظيمًا” لا “تحليلًا”، و”تجربة” لا “تحولًا”. لكن جوهر السياسة لا يكمن في المادة بحد ذاتها، بل في من يُسمح له ومن يُمنع. هنا، لا تُدار القيم باعتبارها شأنًا مجتمعيًا، بل باعتبارها خدمة نخبوية تُباع لمن يملك الثمن. الرسالة الضمنية واضحة: المحرّم قابل للتفاوض إذا كان المقابل استثمارًا، أما المواطن العادي فليس طرفًا في التفاوض أصلًا.
هذا النمط يكرّس ازدواجية خطيرة. في العلن، يستمر خطاب “الخصوصية الدينية” و”هوية موطن الحرمين”، وفي التطبيق، تُفتح استثناءات اقتصادية لا تمر عبر نقاش فقهي شفاف ولا عبر مساءلة اجتماعية. ما يُنتج ليس توازنًا بين القيم والتنمية، بل فجوة ثقة: بين خطاب رسمي محافظ وممارسة براغماتية تُدار بالقطّارة، وبين مجتمع يُطلب منه الامتثال دون أن يُستشار.
الاقتصاد أولًا حين تصبح القيم متغيرًا تابعًا للميزانية
لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق المالي الضاغط. تراجع أسعار النفط مقارنة بذروة 2022، تعثّر أو تقليص مشاريع عملاقة، وضغط الاستحقاقات الكبرى المقبلة—كلها عوامل دفعت صانع القرار إلى تعظيم مصادر الجذب السياحي والترفيهي. في هذا الإطار، يصبح الكحول “أداة تنافسية” لجذب السائح الغربي والمغترب عالي الدخل، لا بوصفه خيارًا ثقافيًا، بل كميزة سوقية.
غير أن إدارة القيم بمنطق الميزانية تخلق مفارقة أخلاقية وسياسية. فبدل أن يكون الانفتاح ثمرة مسار اجتماعي متدرج، يتحول إلى بند في قائمة الإيرادات. وبدل أن تُناقش التغييرات علنًا، تُجرَّب سرًا، مع استعداد دائم للتراجع إن اشتد الاعتراض. هذه السياسة “المرنة” قد تُرضي المستثمر على المدى القصير، لكنها تُراكم كلفة غير منظورة: تآكل الصدقية، وتوسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحويل الهوية إلى متغير قابل للتعديل بحسب أسعار السوق.
طبقية الانفتاح حين يُكافأ الغريب ويُقصى المواطن
الأكثر إشكالية ليس السماح الانتقائي بحد ذاته، بل طابعه الطبقي الصريح. شروط الدخول—إقامة مميزة، حد أدنى مرتفع للدخل، إجراءات أمنية صارمة—ترسم خطًا فاصلًا بين من “يستحق” الامتياز ومن لا يستحقه. الانفتاح هنا ليس حقًا عامًا ولا حتى خيارًا فرديًا، بل امتيازًا اقتصاديًا. هذه المقاربة تُعيد تعريف المواطنة ضمنيًا: ليس بما تحمله من حقوق، بل بما تملكه من قدرة على الدفع.
وفي الوقت الذي يُمنح فيه الأجنبي الثري مساحة استثنائية، يُترك المواطن خارج المعادلة، لا رأيًا ولا خيارًا. لا حوار عام، لا نقاش فقهي معلن، ولا مساءلة برلمانية. النتيجة ليست تحديثًا للهوية، بل إعادة إنتاجها على أساس طبقي، حيث تُدار الحساسية الاجتماعية بالتدرّج الصامت، ويُطلب من المجتمع التكيّف دون تفسير.
هوية للبيع وثمنٌ يُدفع من الثقة
قد تنجح هذه السياسة في جذب سائح إضافي أو مستثمر متردد، وقد تُسهم في تنشيط قطاع بعينه، لكنها تفرض ثمنًا سياسيًا واجتماعيًا مؤجل الدفع. حين تُدار القيم بالهمس، وتُختبر التغييرات على فئات مختارة، وتُقدَّم الاستثناءات بوصفها “تنظيمًا”، تتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع. الانفتاح الحقيقي لا يُقاس بعدد التراخيص ولا بحجم الإيرادات، بل بقدرته على الصمود أمام الضوء، وباستعداده للاعتراف بالمجتمع شريكًا لا متلقيًا.
السعودية تقف اليوم أمام مفترق دقيق: إما تحديثٌ شفاف يعترف بالأسئلة ويحتمل النقاش، أو براغماتية صامتة تُراكم الاستثناءات وتؤجل المواجهة. الكحول هنا ليس القضية، بل العَرَض. القضية هي كيف تُدار الهوية، ولمن تُباع، ومن يدفع ثمن الصمت.






