لم يعد خافيًا أن السعودية خاضت خلال السنوات الأخيرة سباقًا محمومًا لإعادة تسويق نفسها خارجيًا بوصفها دولة “منفتحة” و“معتدلة” و“حديثة”، حتى لو كان ذلك على حساب منظومة قيم مجتمعية راسخة، أو عبر تغييرات صادمة فُرضت من أعلى دون توافق اجتماعي. غير أن التطورات الأخيرة تُظهر بوضوح أن هذا الرهان لم يؤتِ ثماره، وأن محاولات التلميع لم تنجح في تثبيت صورة مستقرة أو مقنعة لدى الشركاء الغربيين، ولا حتى لدى حلفاء يفترض أنهم المستفيد الأول من هذا التحول الخطابي.
ما نُقل عن لقاءات وزير الخارجية السعودي مع مشرعين أمريكيين، وما تبعها من تقليل متعمّد للمخاوف المتعلقة بـ“ابتعاد السعودية عن الاعتدال”، لا يعكس ثقة حقيقية بقدر ما يكشف عن مأزق سياسي: دولة تُغيّر ملامحها الداخلية جذريًا، لكنها تفشل في إقناع الخارج بأنها تعرف إلى أين تتجه.
تنازلات داخلية بلا مكاسب خارجية
منذ سنوات، تسير السعودية في مسار مزدوج متناقض:
داخليًا، جرى تفكيك منظومات اجتماعية ودينية كانت تُشكّل جزءًا من هوية المجتمع، عبر تضييق واسع على العلماء والدعاة، وتجريم أي خطاب ديني أو اجتماعي لا ينسجم مع الرؤية الرسمية الجديدة، وفتح المجال العام أمام أنماط ترفيه وسلوكيات قُدّمت بوصفها “علامة تحضّر”.
خارجيًا، رُوّج لهذه التحولات باعتبارها دليل “اعتدال” وقطيعة مع الماضي، ورسالة طمأنة للغرب بأن السعودية لم تعد كما كانت.
لكن المشكلة أن هذا الانفتاح لم يُترجم إلى ثقة سياسية حقيقية. فالدول لا تُقاس بما تعرضه من صور وحفلات ومهرجانات، بل بثبات سياساتها واتساق خطابها.
والنتيجة أن السعودية، رغم كل ما قدمته من تنازلات داخلية، ما زالت تُوصَف في التقارير الغربية كدولة قلقة الهوية، متقلبة الاتجاه، وغير محسومة الموقع في خريطة “الاعتدال” التي تحاول الانضمام إليها.
خطاب دبلوماسي دفاعي لا رؤية مقنعة
تصريحات النائب الأمريكي Brad Sherman، التي نقلت مضمون لقاءه بوزير الخارجية السعودي، تكشف طبيعة الموقف أكثر مما تخفيه.
فوزير الخارجية، بحسب شيرمان، “سعى بشكل مباشر إلى دحض الادعاءات” حول ابتعاد السعودية عن الاعتدال، مؤكدًا أن المملكة “مناهضة للإخوان المسلمين”، وأن خلافها مع الإمارات “تكتيكي لا أيديولوجي”.
هذه اللغة بحد ذاتها لغة دفاع لا لغة ثقة. دولة واثقة من مسارها لا تحتاج إلى نفي الاتهامات واحدة تلو الأخرى، ولا إلى طمأنة الخارج بأنها لا تزال في المعسكر الصحيح.
كما أن اختزال مفهوم “الاعتدال” في معاداة تيار سياسي بعينه، يكشف فراغًا فكريًا: الاعتدال لا يُقاس بمن تُعاديه، بل بما تبنيه داخليًا من مؤسسات، وحريات، واستقرار سياسي.
الأخطر أن هذا الخطاب يتجاهل الأسئلة الجوهرية التي تقلق الشركاء الغربيين فعلًا:
القمع السياسي، غياب الحريات، الاعتقالات الواسعة، وتآكل المجال العام. وهي ملفات لا تُحلّ بتأكيدات لفظية، ولا بتقديم السعودية كخصم للإسلام السياسي فقط.
الانفتاح كقناع لا كمشروع دولة
ما يزيد فشل هذا المسار وضوحًا هو التناقض الصارخ بين “الانفتاح” المُعلن والواقع الداخلي.
ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه السعودية كدولة منفتحة ومتسامحة، تشهد البلاد:
قمعًا ممنهجًا لكل صوت مستقل اعتقال علماء وشباب وناشطين بسبب الرأي رقابة رقمية خانقة تطال أبسط أشكال التعبير غيابًا شبه كامل لأي مساءلة سياسية
هذا التناقض يجعل الانفتاح يبدو كقناع تجميلي، لا كمشروع دولة حقيقي.
فالانفتاح الذي لا يترافق مع كرامة سياسية، ولا مع حقوق أساسية، يتحول إلى عرض استهلاكي موجّه للخارج، لا إلى تحول بنيوي يخدم الداخل.
ومن هنا، يصبح فشل السعودية مضاعفًا:
فهي خسرت جزءًا من توازنها المجتمعي الداخلي عبر تغييرات مفروضة، ولم تكسب في المقابل اعترافًا خارجيًا راسخًا أو ثقة مستقرة.
دولة تُغيّر شكلها وتفشل في تغيير موقعها
ما تكشفه هذه التطورات هو حقيقة مُحرجة: السعودية غيّرت الكثير في مظهرها، لكنها لم تحسم موقعها.
تخلّت عن بعض قيمها التقليدية، وضيّقت على مؤسساتها الدينية، وفتحت المجال لانفتاح صاخب، لكنها ما زالت تُواجَه بالشك، وتُستقبل بالدفاعات، وتُحاكم بمعايير لم تنجح في تجاوزها.
الاعتدال لا يُشترى بالتنازلات الشكلية، ولا يُفرض بحملات علاقات عامة، ولا يُقاس بمدى إرضاء الخارج على حساب الداخل.
ودولة تفشل في بناء عقد اجتماعي متوازن، وتراهن فقط على تغيير صورتها، ستجد نفسها في النهاية بلا صورة ثابتة، ولا ثقة داخلية، ولا احترام خارجي.
هنا يكمن جوهر الفشل: ليس لأن السعودية لم تُقدّم ما يكفي، بل لأنها قدّمت الكثير في الاتجاه الخطأ






