برميل نفط رخيص وعجز بمليارات: كيف يغرق ابن سلمان اقتصاد المملكة في وهم 2030؟

برميل نفط رخيص وعجز بمليارات: كيف يغرق ابن سلمان اقتصاد المملكة في وهم 2030؟

الحقائق الجديدة التي نشرها الخبير الاقتصادي خافيير بلاس حول أسعار النفط تؤكد أن الخام، رغم بلوغه في المتوسط نحو 66 دولارًا للبرميل منذ بداية العام، يعد رخيصًا جدًا بمقياس القوة الشرائية. فحين يُعدل السعر وفق معدلات التضخم، يتبين أنه لا يتجاوز 50 دولارًا بمقاييس 2020، وينحدر إلى ما يعادل 25 دولارًا فقط في عام 1990. هذه الأرقام ليست مجرد تقلبات عابرة، بل شهادة دامغة على أن الركيزة الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد النظام السعودي آخذة في التآكل.

وبينما تنكشف هذه الحقيقة القاسية، تواصل وزارة المالية السعودية تعديل توقعاتها للعجز المالي نحو الأسوأ. الإعلان الأخير كشف أن الرياض تتوقع عجزًا يصل إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مقارنة بـ2.3% فقط في تقديراتها السابقة. هذه القفزة ليست تفصيلًا ماليًا، بل انعكاس مباشر لتراجع أسعار النفط وعجز رؤية ابن سلمان عن تقديم بدائل اقتصادية حقيقية.

إنفاق استعراضي يغرق الموازنة

بدلًا من ضبط الإنفاق، يواصل ابن سلمان ضخ المليارات في مشاريع استعراضية من نوع نيوم وصندوق الاستثمارات العامة وصفقات الترفيه والألعاب الإلكترونية. هذه المشاريع لا تدر أي دخل إنتاجي، ولا تخلق فرص عمل حقيقية للسعوديين، بل تتحول إلى عبء مالي ضخم يزيد من العجز ويرفع الدين العام إلى مستويات خطيرة.

تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس تشير إلى أن السعودية تحتاج سعر نفط لا يقل عن 94 دولارًا للبرميل لتحقيق التعادل المالي، ويرتفع إلى نحو 111 دولارًا إذا احتُسب الإنفاق المرتبط بصندوق الثروة السيادي. الأرقام تفضح الوهم: بأسعار النفط الحالية التي تهبط إلى أقل من 68 دولارًا، يعيش النظام على هوامش وهمية لا تكفي حتى لتغطية نفقات مشاريعه الدعائية.

شراء الولاءات بدولار متآكل

النفط لم يكن يومًا مجرد مصدر دخل، بل أداة سياسية أساسية في يد النظام. لكن مع تآكل قيمته الحقيقية، يجد ابن سلمان نفسه مضطرًا إلى تقديم مزيد من التنازلات للغرب، عبر فتح الأسواق السعودية لشركات السلاح والتكنولوجيا والترفيه. ما يتبخر من عائدات النفط يُعاد تدويره كـ”رشاوى سياسية” لضمان الحماية في واشنطن ولندن، بينما الشعب يُترك يواجه التضخم والبطالة وغياب الخدمات الأساسية.

الأخطر أن النظام يواصل سياسة الاقتراض المكثف لتمويل العجز. السعودية جمعت هذا العام ما يقارب 20 مليار دولار من السندات الدولية، وهناك مؤشرات على تجاوز مستويات الاقتراض القياسية السابقة. هذا النزيف المستمر لا يعني فقط استنزاف الثروة، بل أيضًا ارتهان السيادة الاقتصادية لثقة الأسواق العالمية، وهو ما يضع البلاد في مهب أي أزمة مالية دولية.

قمع الداخل لتغطية فشل الخارج

حين تتراجع قدرة النظام على شراء الولاءات الخارجية بسهولة، يعوض ذلك بمزيد من القمع في الداخل. كل أزمة مالية تترافق مع موجة اعتقالات جديدة ومحاكمات صورية تستهدف الناشطين والحقوقيين، لأن ابن سلمان يدرك أن أي مساحة حرية ستفضح حجم الانهيار الاقتصادي. وهكذا يصبح القمع ليس مجرد سياسة، بل ركيزة أساسية لاستمرار النظام، الذي يراهن على إسكات الداخل كي يشتري الوقت في الخارج.

رؤية 2030 حلم يتهاوى مع كل برميل

كلما انخفض سعر النفط، تتهاوى أسس رؤية 2030 أكثر. الخطة التي رُوج لها كمسار نحو اقتصاد متنوع لم تكن سوى واجهة لنهب الثروة الوطنية عبر صفقات أجنبية وصفحات دعائية. الأرقام الرسمية نفسها تعترف بأن العجز سيستمر لسنوات، مع توقع 3.3% في 2026 و2.3% في 2027 و2.2% في 2028، وهي توقعات مشكوك فيها حتى من خبراء مقربين من صندوق النقد الدولي.

الحقيقة أن النظام لا يملك الشجاعة لإعادة ترتيب أولوياته. الإنفاق الطموح مستمر، المشاريع الاستعراضية قائمة، والدعاية لا تتوقف. لكن الواقع المالي لا يرحم: النفط الرخيص تاريخيًا لا يغطي حتى نصف الاحتياجات، والدين العام يتصاعد، والاستثمارات الأجنبية التي وُعد بها الشعب لم تأتِ إلا في شكل شركات غربية وإسرائيلية تقتات من أموال السعوديين.

النفط الرخيص يفضح الحقيقة

كل الأرقام والمؤشرات تقود إلى استنتاج واحد: النظام السعودي يقف أمام جدار مسدود. أسعار النفط المتدنية تاريخيًا لم تعد قادرة على إنقاذ موازنة غارقة في الإنفاق غير المنتج. ومع كل برميل يُباع بسعر منخفض، تتسع فجوة العجز، ويزداد اعتماد ابن سلمان على القروض والصفقات المشبوهة مع شركات أجنبية، بينما يشتد القمع الداخلي لإسكات أي صوت معارض.

النفط الرخيص لم يكشف فقط هشاشة رؤية 2030، بل فضح أن ما يُسمى “التنويع الاقتصادي” ليس إلا ستارًا لتبديد الثروة الوطنية. النظام الذي يراهن على البهرجة الإعلامية يجد نفسه اليوم عاريًا أمام أزمات مالية وسياسية وحقوقية متشابكة. الحقيقة النهائية واضحة: لا إصلاح في الأفق، لا تنمية حقيقية، بل انهيار بطيء لنظام يكرر الأخطاء نفسها منذ عقود ويدفع الشعب ثمنها مضاعفًا.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية