ما جرى خلال الساعات الأخيرة في اليمن ليس خلافًا عابرًا بين شريكين في تحالف، ولا رسالة دبلوماسية قابلة للاحتواء، بل انفجارًا متأخرًا لأزمة ظلت مكبوتة لسنوات، وانكشافًا فجًّا لخلل استراتيجي عميق في إدارة السعودية لحربٍ بدأت بلا خطة خروج، وتستمر اليوم بلا حلفاء موثوقين. التهديد العلني الذي وجّهته الرياض إلى أبوظبي، ومنحها مهلة زمنية للتراجع، ترافق مع استهداف مباشر لسلاسل إمداد مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة تصعيدية لا تعبّر عن قوة موقف بقدر ما تكشف ارتباكًا متراكمًا، وتكرارًا لنمط قرارات متسرعة سبق أن قادت إلى الهزيمة منذ السنوات الأولى للحرب.
إنذار الحليف: حين تتحول الشراكة إلى عبء أمني
اللغة التي استخدمتها الخارجية السعودية غير مسبوقة في حدّتها تجاه الإمارات، إذ وُصفت خطوات أبوظبي في اليمن بأنها “بالغة الخطورة”، وربطت مباشرة بين دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي وتهديد الأمن الوطني السعودي. هذا التحول في الخطاب لا يمكن فصله عن واقع ميداني تغيّر جذريًا: السعودية التي دخلت اليمن باعتبارها القائد المطلق للتحالف، تجد نفسها اليوم أمام كيان مسلح مدعوم من شريكها السابق، يتمدد على الحدود ويُربك حساباتها الأمنية.
لكن الخطير في هذا الإنذار لا يكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته وسياقه. فالرياض لم تقدّم بديلًا سياسيًا أو عسكريًا متماسكًا، ولم تُظهر أنها تملك أدوات حسم، بل اكتفت برفع السقف وإشهار “الخط الأحمر”. هذا النوع من التهديدات، حين يصدر بعد سنوات من فقدان السيطرة، لا يعيد الهيبة، بل يسرّع تفكك التحالفات، ويبعث رسالة واضحة إلى بقية الوكلاء: المظلة السعودية لم تعد ضامنة.
اليمن كملف فشل متراكم لا كمصلحة وطنية مُدارة
وصف الباحث البريطاني أندرياس كريغ التحرك السعودي الأخير بأنه استهداف مباشر لسلاسل الإمداد الإماراتية المتجهة إلى المجلس الانتقالي، مع اعترافه بمحدودية هذا التحرك. المفارقة أن هذا “الفرض الصريح للخطوط الحمراء” يأتي بعد أن أصبحت تلك الخطوط نفسها محل اختراق دائم. السعودية، التي تعتبر اليمن مصلحة وطنية جوهرية، أخفقت طوال الحرب في تحويل هذه المصلحة إلى استراتيجية متماسكة، فتنقلت بين وكلاء متنافرين، وسمحت بتعدد الجبهات، ثم فوجئت بأن كل طرف بات يعمل وفق أجندته الخاصة.
تاريخ الحرب اليمنية يوضح أن القرارات المتسرعة كانت القاسم المشترك في كل مرحلة فشل: تدخل عسكري بلا تصور سياسي، دعم تشكيلات مسلحة متضادة، ثم محاولة ضبطها بالبيانات والمهل الزمنية. اليوم، يتكرر المشهد نفسه. بدل مراجعة شاملة لمسار الحرب، تُعاد إنتاج الأخطاء ذاتها، مع فارق واحد: السعودية أضعف، وحلفاؤها أقل، وخصومها أكثر رسوخًا.
حلفاء بلا ضمانات: رسالة تُقرأ في كل الجبهات
التصعيد ضد الإمارات لا يُقرأ في أبوظبي وحدها، بل في عدن، ومأرب، وحتى خارج اليمن. الرسالة التي تصل إلى كل الفاعلين المحليين واضحة: من يعتمد على السعودية قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة معها إذا تغيّرت الحسابات. هذا الإدراك يضرب جوهر أي تحالف، لأن الثقة هي رأس المال الوحيد في حروب الوكالة.
الرياض، بدل أن تعترف بأن شريكها السابق لعب أوراقه ببراغماتية وحافظ على كرامته السياسية والعسكرية، اختارت طريق المواجهة المتأخرة. النتيجة أن الإمارات تخرج من المشهد وهي أقل تورطًا، بينما تتحمل السعودية كلفة التصعيد وحدها، سياسيًا وأمنيًا. في هذا السياق، يبدو أن المملكة لا تخسر فقط نفوذها في اليمن، بل تخسر أيضًا ما تبقى من صورتها كقائد قادر على حماية حلفائه أو حسم معاركه.
تصعيد بلا أفق وهزيمة تتجدد
ما يحدث اليوم ليس استعادة لزمام المبادرة، بل دليل إضافي على مأزق سعودي عميق في اليمن. التهديدات العلنية، والمهل الزمنية، واستهداف الإمدادات، كلها أدوات تُستخدم عادة عندما تغيب الخطة الشاملة. السعودية، التي خاضت الحرب وهي تملك فائض قوة ودعمًا دوليًا واسعًا، تعود اليوم إلى المربع الأول، لكن بشروط أسوأ: حلفاء متشككون، ووكلاء منفلتون، وملف يمني تحوّل من ورقة نفوذ إلى عبء أمني دائم.
هكذا تتفنن الرياض في خسارة ما تبقى من تحالفاتها، وتعيد إنتاج هزيمتها خطوة بعد أخرى، في حرب أثبتت أن الخط الأحمر بلا استراتيجية ليس إلا إعلانًا جديدًا عن العجز، لا عن القوة.






