لا يحتاج المتابع إلى جهد كبير ليدرك أن ما يحدث في السعودية اليوم ليس مجرد “انفتاح اجتماعي” كما تسميه دعاية النظام، بل عملية نزع جلد كاملة، تُجرى على جسد بلدٍ أراد النظام أن يقدّمه كحارس القيم ومركز الإسلام، ثم بدأ — بصمت محسوب — بتقويض كل ما كان يقدّمه للعالم كجزء من هويته. وما كشفه موقع سيمافور ووكالة رويترز خلال الأيام الماضية لا يشير إلى إصلاح اجتماعي، بل إلى انهيار في الخطاب الرسمي، وتناقض بين الدور الديني المزعوم وسياسات الساحة الخلفية التي تُدار خلف الأبواب المغلقة. فالنظام الذي يمنع الكحول منذ تأسيس الدولة يبدأ اليوم، بلا إعلان، بتوسيع بيعها؛ والنظام الذي يقدم نفسه كوصي على “أقدس بقاع الإسلام” يسمح في الوقت نفسه بشواطئ البكيني، ويستضيف مراسلات صهيونيات متخصصات في التحريض على الفلسطينيين… وكل ذلك بينما يقول للمواطن: “نحن دولة قيم”.
هذه ليست إصلاحات. هذه تفكيك ممنهج للهوية، تُنفّذه سلطة سياسية لا تؤمن بشيء سوى البقاء.
“من السرّ إلى العلن: كيف انتقلت السعودية من التهريب إلى بيع الكحول بإذن الدولة؟”
تقرير سيمافور، الذي نشره الصحفي ماثيو مارتن، يقدّم صورة لا تختلف كثيرًا عن التقارير الأمنية التي وُجهت للنظام منذ عام 2021: السعودية تتجه بسرعة نحو شرعنة الكحول، ولكن بطريقة متدرجة، تُدار بهدوء، فتفتح المتاجر للحين ثم تتظاهر بأنها “استثناء”، بينما القرار الحقيقي تم اتخاذه بالفعل.
ويتحدث التقرير عن توسع “هادئ ومدروس”، لا يتم عبر إعلان رسمي، بل عبر سياسة “فتح الباب دون أن يراه أحد”، تمامًا كما حدث في متجر الرياض الدبلوماسي الأول مطلع 2024. لكن رويترز تضيف ما هو أخطر:
المملكة ستفتح متاجر جديدة، أحدها مخصص حصريًا لأجانب أرامكو، وآخر للدبلوماسيين في جدة، ما يعني أن الموضوع لم يعد تجربة، ولا حالة خاصة، بل بداية منظومة تجارية كاملة للكحول داخل الدولة.
الحدث ليس صغيرًا كما يحاول النظام تقديمه. فالمملكة التي طالما استخدمت الدين كأداة سياسية، وقدمت نفسها كـ”خادمة الحرمين”، هي نفسها التي تحوّل اليوم الظهران — حيث توجد أرامكو — إلى سوق كحول “مضبوط إداريًا”، بينما الإعلام المحلي يواصل الكذب قائلاً: “لا تغيير في ثوابت المجتمع”.
لكن الثوابت تغيّرت، والعهد تغيّر، والدور تغيّر، وما عاد النظام يهتم بالصورة الدينية إلا لأن بقايا جمهوره القديم ما زالت حيّة. أمّا الواقع، فشيء آخر تمامًا: القيم لم تعد جزءًا من مشروع الدولة، بل جزءًا من خطابها الدعائي فقط.
“البكيني في جدة: عندما تصبح الشواطئ واجهة دولة تبحث عن سياح أكثر من بحثها عن احترام ذاتها”
بينما تُنشر التقارير حول الكحول، خرج مقطع سياحية إيطالية تشرح بكل ثقة كيف يمكن للسائحات في جدة أن يسبحن بالبكيني “دون مشاكل”. لم يعد الأمر إشاعة، بل إعلانًا ضمنيًا صنعه النظام عبر سلسلة تغييرات سلوكية ومنشآت ترفيهية وشواطئ خاصة وامتيازات جديدة تُمنح للأجانب دون السكان المحليين.
لكن السؤال هنا ليس: هل يسمح النظام بالبكيني أم لا؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يناقض النظام نفسه إلى هذا الحد؟
كيف يمكن لدولة تكمم الأفواه باسم الدين، وتمنع الاحتجاجات باسم “الخصوصية الإسلامية”، وتجرّم بعض أشكال التعبير لأنها “تتعارض مع قيم المجتمع”، أن تتحول فجأة إلى دولة تفتح شواطئ البكيني، وتسمح بالكحول، وتستقبل إعلاميات صهيونيات على منصات الرياض الرياضية؟
الإجابة واضحة:
النظام لا يملك مشروعًا أخلاقيًا، بل مشروعًا تسويقيًا. وكل ما لا يخدم الترويج يُلغى.وكل ما يخدمه يُشرعن فورًا.
“الإعلامية الصهيونية في الرياض: كيف فتحت المملكة أبوابها لرموز التحريض ضد الفلسطينيين؟”
وجود الإعلامية الصهيونية الأميركية إيميلي أوستن في الرياض — بصفة رسمية كمراسلة لـ DAZN — ليس تفصيلاً عابرًا، بل فضيحة سياسية تسقط فيها الأقنعة. أوستن ليست مجرد صحفية؛ إنها شخصية معروفة بقذف الفلسطينيين، وتجريدهم من إنسانيتهم، وتبرير المجازر في غزة، وترويج الرواية الإسرائيلية المتطرفة.
فما الذي يجعل نظامًا يدّعي “القيادة الإسلامية” و“الوقوف مع القضايا العربية” يسمح لهذه الصحفية بالدخول، والتصوير، وبث مراسلاتها من وسط الرياض؟ الجواب في كلمة واحدة: الصفقات.
DAZN ليست منصة عادية، بل يملكها الملياردير اليهودي–الصهيوني لين بلافاتنيك، أحد أقوى الشبكات المالية المرتبطة بصعود “موسم الرياض” وفعاليته. رجلٌ يعرفه تركي آل الشيخ جيدًا، ويتعامل معه بانتظام، ويمنحه النظام حقوق بث مسابقات الرياضة في المملكة.
وما دامت الصفقات مستمرة، فلا بأس بأن تدخل أوستن. ولا بأس بأن تُستقبل. ولا بأس بأن تبث من العاصمة. ولا بأس بأن تواصل التحريض على الفلسطينيين من داخل أرض يُفترض أنها “قلب العالم الإسلامي”.
هذه ليست مصادفة. هذه سياسة واضحة: التحالف مع المال، حتى لو كان مغموسًا في دماء غزة.
“مملكة بلا يقين ونظام يخلع جلده قطعة بعد قطعة”
هذه الأخبار ليست متفرقة، ولا تُقرأ كل منها على حدة. إنها خريطة كاملة لمنحدر خطير تتحرك عليه السعودية بسرعة:
– بيع أصول أرامكو
– أزمة اقتصادية خانقة
– انفتاح مقنّع للكحول
– شواطئ بكيني
– إعلاميات صهيونيات
– تطبيع رياضي واقتصادي وثقافي
– وواجهة دينية لا تزال تُستخدم فقط لتمرير السياسات القديمة
كل ذلك يجري بينما النظام يكرر شعارات عن “الهوية” و“القيم” و“التغيير الإيجابي”، بينما الحقيقة أنها عملية هدم شاملة لما تبقى من روح البلد، واستبدالها بإصدارات مستوردة لا تمت بصلة لتاريخه ولا لمجتمعه.
إن ما يحدث اليوم ليس تحديثًا بل تفكيكًا. وليس انفتاحًا بل إعادة تشكيل قسرية لبلدٍ لم يُستشر في مصيره. وليس إصلاحًا بل هروبًا سياسيًا نحو كل ما يمنح النظام صورة جديدة، حتى لو كانت تلك الصورة تُناقض كل ما يدّعيه منذ عقود.
السعودية تغيّرت لكن ليس نحو الأفضل. تغيّرت لأنها تُدار اليوم بلا بوصلة، بلا قيم، بلا رؤية سوى رغبات رجل واحد.






