لم يعد مشروع تروجينا، المنتجع الثلجي الموعود وسط صحارى نيوم، مجرد فكرة طموحة ضمن رزمة “رؤية 2030″، بل تحول إلى اختبار قاسٍ لقدرة السعودية على تنفيذ وعودها المليارية، وإلى مرآة تكشف التناقض بين الخطاب الدعائي والواقع الهندسي والمالي. خلف الشعارات اللامعة عن “مدينة المستقبل” و”المشروع الفريد عالميًا”، تتكشف ملامح سباق مع الزمن، ميزانية تتآكل، وتحديات هندسية أشبه بالمستحيل.
حلم ثلجي في قلب الصحراء
منذ الإعلان عن استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، قدّم محمد بن سلمان مشروع تروجينا كرمز عالمي لتحول السعودية إلى قوة سياحية وترفيهية تنافس أوروبا وآسيا. الحديث عن منتجع للتزلج وسط صحراء قاحلة بدا منذ البداية مثيرًا للسخرية أكثر مما هو ملهمًا، لكن ماكينة الإعلام الرسمية والداعمة الغربية روّجت له كإنجاز هندسي سيبهر العالم.
اليوم، وبعد مرور سنوات على إطلاقه، تكشف الحقائق أن المشروع يواجه معضلات غير قابلة للحل: كيف يمكن توفير ثلج اصطناعي بكميات تكفي لإقامة ألعاب شتوية كاملة، في منطقة تُسجّل واحدة من أعلى درجات الحرارة عالميًا؟ وكيف يمكن ضخ مليارات الأمتار المكعبة من المياه إلى قمم جبال شاهقة لملء بحيرة اصطناعية طولها 2.8 كيلومتر، بكلفة تتجاوز 5 مليارات دولار؟ هذه الأسئلة لم تعد مجرد جدل إعلامي، بل تهديدًا مباشرًا لقدرة السعودية على الإيفاء بوعودها الدولية.
سباق مع الزمن: عقارب الساعة تخذل الرياض
كان من المفترض أن يكتمل المشروع بحلول عام 2026، أي قبل ثلاث سنوات كاملة من موعد دورة الألعاب. لكن وفق مصادر مطلعة، المواعيد النهائية تتبخر واحدًا تلو الآخر. التأخير في البنية التحتية، التعقيدات اللوجستية، وصعوبة العمل على تضاريس جبلية معقدة جعلت فكرة الالتزام بالجدول الزمني أقرب إلى الوهم.
هذا الواقع دفع بعض الأصوات إلى طرح سيناريو كارثي: نقل دورة الألعاب إلى بلد آخر. ورغم أن السعودية ترفض الاعتراف بهذا الخيار حتى الآن، إلا أن مجرد تداوله يعكس حجم الأزمة، ويكشف أن تروجينا قد يتحول من رمز الفخر إلى مصدر فضيحة دولية.
أرقام فلكية و وعوائد غامضة
تُقدر قيمة مشروع تروجينا بحوالي 19 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي العقود الممنوحة لمشروع نيوم منذ 2019 نحو 40 مليار دولار. أرقام هائلة تُصرف على مشاريع لم تثبت جدواها الاقتصادية بعد. والأدهى أن عقود تروجينا في 2025 لم تتجاوز 20 مليون دولار فقط، ما يعني أن التمويل الموعود إما يتأخر أو يتآكل لصالح أجزاء أخرى من نيوم.
في ظل هذه الفوضى، يبدو أن المشروع يلتهم المليارات دون خطة واضحة لتوليد عوائد حقيقية. هل ستغطي السياحة الشتوية ــ إن حدثت ــ جزءًا من هذه التكاليف؟ أم سيظل المشروع مجرد واجهة دعائية باهظة الثمن؟
تحديات هندسية: بين المستحيل والعبث
أبرز ما يثير الجدل في تروجينا هو ما يمكن تسميته بـ”الهندسة العبثية”. التحديات التي تواجه المشروع ليست عادية:
- ضخ المياه إلى القمم: كيف يمكن نقل كميات هائلة من المياه إلى ارتفاعات شاهقة في منطقة نائية؟ كلفة الضخ وحدها قد تفوق كلفة تشغيل بحيرات أوروبية حقيقية.
- إنتاج الثلج الاصطناعي: حتى الدول الباردة تعاني من ارتفاع كلفة الثلج الاصطناعي بسبب استهلاكه الكثيف للطاقة والمياه. فكيف سيكون الحال في مناخ صحراوي قاسٍ؟
- البحيرة الاصطناعية: بحيرة بطول 2.8 كيلومتر فوق الجبال تبدو أقرب إلى مشهد خيالي في فيلم، أكثر من كونها مشروعًا واقعيًا. الخبراء يحذرون من مخاطر بيئية وهندسية، أبرزها الانهيارات والتسريبات.
- البناء على التضاريس: الإنشاءات على مرتفعات ذات تضاريس وعرة ستضاعف زمن الإنجاز وتكاليفه، خصوصًا مع محدودية الخبرات المحلية.
هذه التحديات تجعل من المشروع مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تنتهي بمنتجع غير مكتمل أو محدود الاستخدام، بدلًا من مدينة ثلجية عابرة للقارات كما وُعد.
الدعاية أهم من الإنجاز
رغم هذه التحديات، تستمر آلة الدعاية السعودية في تقديم تروجينا كإنجاز وشيك. الإعلام المحلي يتحدث عن “مشروع يضع السعودية على خريطة السياحة الشتوية العالمية”، بينما الواقع أن كل خطوة على الأرض تواجه تأخيرات، تضخمًا في الكلفة، أو عجزًا هندسيًا.
حتى الآن، لم تُسجّل تخفيضات كبيرة في ميزانية المشروع، لكن ذلك لم يمنع حدوث تعطيلات في مشاريع نيوم الأخرى، التي باتت رهينة ضخ الأموال في هذا الحلم الثلجي. النتيجة أن الدعاية تسبق الواقع بمراحل، وهو ما ينذر بفضيحة كبرى حين يحين وقت المحاسبة.
صورة ابن سلمان: من “المهندس الأعظم” إلى “صاحب الوهم الأكبر”
بالنسبة لولي العهد، تروجينا ليست مجرد مشروع، بل رمز شخصي. استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية هي ورقة اعتماد يسعى من خلالها لتثبيت صورته كزعيم يقود “تحولات تاريخية”. لكن الصورة الحقيقية قد تكون على النقيض: زعيم يطارد مشاريع وهمية، يصرف عليها مليارات من أموال الشعب، في وقت تعاني فيه البلاد من تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
البعد الدولي: الغرب شريك في الوهم
شركات عالمية مثل “سوني” و”أمازون” و”ليوناردو” الإيطالية انخرطت في مشاريع نيوم وتروجينا، ما يجعلها شريكة ضمنيًا في هذه اللعبة الدعائية. الغرب يبيع تقنيات وخدمات بمليارات، بينما يتجاهل الأسئلة الجوهرية حول الجدوى الاقتصادية والبيئية. بالنسبة لهم، السعودية مجرد زبون ذهبي يشتري أي شيء لإبهار العالم.
مجتمع صامت وخسائر مستقبلية
في الداخل السعودي، أي نقاش علني حول هذه المشاريع يعتبر خطًا أحمر. الانتقادات تُقمع، والمعارضون يواجهون الاعتقال أو النفي. لكن الصمت المفروض اليوم لن يمنع آثار الغد: مليارات الدولارات تُهدر على مشاريع غير قابلة للاستمرار، بينما الخدمات العامة، الصحة والتعليم، تعاني نقصًا واضحًا.
إن الاستمرار في هذه السياسة يعني أن الجيل القادم سيدفع ثمن “ثلج اصطناعي” لم يره يومًا، ومشاريع دعائية لم تتحقق أبدًا.
وهم يذوب أسرع من الثلج
تروجينا ليس مشروعًا سياحيًا بقدر ما هو مسرحية سياسية. مسرحية تحاول إقناع الداخل والخارج بأن السعودية قادرة على منافسة سويسرا والنمسا في التزلج، بينما الواقع أنها تكافح لضخ مياه كافية لإقامة بحيرة صناعية وسط الجبال.
الرهان على مشاريع بهذا الحجم والعبثية هو دليل على غياب الرؤية الحقيقية، وانشغال النظام ببناء صورة إعلامية لامعة بدلًا من معالجة أزمات حقيقية: اعتماد مفرط على النفط، بطالة متزايدة، وانكماش في الثقة العالمية بالاقتصاد.
إن تروجينا اليوم أشبه بقلعة من رمال ثلجية: قد تبدو براقة من بعيد، لكنها ستذوب سريعًا عند أول اختبار حقيقي. ومهما حاولت السعودية ضخ الأموال أو شراء الوقت، فإن الحقيقة لا يمكن تزييفها إلى الأبد: الوهم لا يتحول إلى واقع لمجرد أن ولي العهد قرر ذلك.






