في الذكرى التاسعة لوصول محمد بن سلمان إلى قمة السلطة الفعلية في السعودية، لا يبدو المشهد كما صُوِّر في البدايات على أنه “عصر إصلاح وانفتاح”، بل أقرب إلى تجربة سياسية واقتصادية واجتماعية مكثفة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع — ولكن بثمن باهظ.
خلال أقل من عقد، لم تعد السعودية تُدار عبر مؤسسات متعددة أو توازنات تقليدية داخل العائلة الحاكمة، بل عبر مركز قرار واحد يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والأمني بالاجتماعي، في نموذج حكم شديد المركزية.
النتيجة لم تكن مجرد تغيير في السياسات، بل تحولات عميقة صاحبتها أزمات متراكمة: قرارات خارجية مكلفة، مشاريع اقتصادية متعثرة، ضغوط مالية متزايدة، وانقسام اجتماعي وثقافي غير مسبوق.
ما يُفترض أن يكون قصة “صعود دولة جديدة” تحوّل، في نظر منتقدين، إلى قصة تركيز سلطة بلا ضوابط، وتراكم أخطاء بلا مراجعة.
احتكار القرار: دولة تُدار بعقل واحد
أبرز ما ميّز السنوات التسع الماضية هو التحول الجذري في بنية الحكم داخل السعودية. فقد انتقل مركز القرار من منظومة كانت تعتمد — ولو شكليًا — على تعدد مراكز النفوذ، إلى نموذج شديد التركيز في يد ولي العهد.
محمد بن سلمان لم يكتفِ بدور سياسي تقليدي، بل جمع بين رئاسة أهم المجالس السياسية والاقتصادية، والإشراف المباشر على صندوق الاستثمارات العامة، والتحكم في ملفات الأمن والدفاع والإعلام وحتى الثقافة والترفيه.
هذا التداخل غير المسبوق في الصلاحيات خلق نموذجًا إداريًا أقرب إلى “الدولة الفردية”، حيث تتقلص أدوار المؤسسات التقليدية لصالح دوائر ضيقة مرتبطة مباشرة بمركز القرار.
لكن هذا النمط من الحكم له كلفة واضحة. فغياب التوازن المؤسسي يعني أن الأخطاء — عندما تحدث — لا تجد آليات تصحيح داخلية. كما أن غياب النقاش الحقيقي داخل دوائر القرار يؤدي إلى تضخم الثقة بالسياسات، حتى عندما تتجه نحو الفشل.
وقد ظهر ذلك جليًا في التعامل مع الأصوات الناقدة، حيث تم إقصاء أو اعتقال عدد من الأكاديميين والاقتصاديين الذين حاولوا مناقشة السياسات العامة، ما أدى إلى بيئة سياسية مغلقة لا تسمح بالمراجعة أو التصحيح.
اقتصاد الطموح وأعباء الواقع
اقتصاديًا، تم تقديم “رؤية 2030” باعتبارها المشروع الأكبر لتحويل السعودية من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع وحديث.
لكن بعد تسع سنوات، لا تزال المؤشرات تكشف فجوة واضحة بين الطموح والواقع.
فعلى الرغم من إطلاق مشاريع عملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية، إلا أن العديد منها واجه تحديات تتعلق بالتمويل أو التنفيذ أو الجدوى الاقتصادية. بعض المشاريع تم تقليصه، وأخرى أعيد تقييمها، في ظل ضغوط مالية متزايدة.
في الوقت نفسه، استمرت حساسية الاقتصاد السعودي لأسعار النفط. أي انخفاض في الأسعار أو اضطراب في التصدير — كما حدث خلال الأزمات الإقليمية — ينعكس فورًا على الميزانية العامة.
كما شهدت المالية العامة اتساعًا في العجز خلال بعض الفترات، بالتوازي مع زيادة الإنفاق على مشاريع ضخمة وفعاليات عالمية واستثمارات خارجية عالية المخاطر.
صندوق الاستثمارات العامة، الذي يُفترض أن يكون أداة التنويع الاقتصادي، تحول في كثير من الأحيان إلى منصة لإنفاق ضخم في قطاعات الترفيه والرياضة والتكنولوجيا، دون تحقيق عوائد واضحة على المدى القصير.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح السؤال نفسه:
هل نجحت السياسات الاقتصادية في بناء اقتصاد بديل، أم أنها أعادت توزيع الاعتماد على النفط في شكل جديد أكثر تعقيدًا؟
سياسة خارجية مكلفة وتوازنات مضطربة
سياسيًا، اتسمت السنوات التسع الماضية بتحولات حادة في السياسة الخارجية السعودية.
منذ التدخل العسكري في اليمن عام 2015، دخلت المملكة في واحدة من أطول وأكلف الحروب في المنطقة، دون تحقيق حسم واضح، وبكلفة مالية وسياسية وإنسانية كبيرة.
كما شهدت العلاقات الإقليمية توترات متعددة، وتحولات متسارعة في التحالفات، ما أضعف من استقرار السياسة الخارجية السعودية في بعض المراحل.
في المقابل، حاولت الرياض إعادة تموضعها عبر الانفتاح على قوى دولية مختلفة، وبناء علاقات جديدة، لكن هذه السياسة جاءت أحيانًا متناقضة أو متقلبة، بين التصعيد والتهدئة، وبين الخطاب السياسي والتحركات الفعلية.
الأزمات الإقليمية الأخيرة كشفت أيضًا عن محدودية القدرة على التأثير في مسار الأحداث، رغم الإمكانات المالية والعسكرية الكبيرة.
وفي ظل تصاعد التوترات، أصبحت السعودية أكثر عرضة لتداعيات الصراعات، سواء من حيث الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار الداخلي.
تحولات اجتماعية وثقافية وانقسام داخلي صامت
على المستوى الاجتماعي والثقافي، شهدت السعودية تغييرات سريعة وغير مسبوقة.
تم رفع قيود اجتماعية عديدة، وفتح المجال لقطاع الترفيه، وتنظيم فعاليات ثقافية وفنية واسعة، في محاولة لإعادة تشكيل صورة المجتمع داخليًا وخارجيًا.
لكن هذه التغييرات لم تمر دون جدل. فسرعة التحول، وطبيعته الفوقية، وغياب النقاش المجتمعي حوله، أدت إلى حالة من الانقسام الصامت داخل المجتمع.
في الوقت الذي يتم فيه الترويج للانفتاح، تستمر القيود على حرية التعبير، ويواجه المنتقدون ملاحقات قانونية أو قيودًا أمنية.
هذا التناقض خلق معادلة غير مستقرة:
مساحات مفتوحة للترفيه… ومساحات مغلقة للرأي.
كما أن إعادة تشكيل الهوية الثقافية للمجتمع عبر سياسات رسمية أثارت تساؤلات حول طبيعة هذا التحول، وما إذا كان يعكس تطورًا طبيعيًا أم مشروعًا مفروضًا من الأعلى.
عقد من السلطة المطلقة وسؤال المستقبل المفتوح
بعد تسع سنوات من الصعود السريع، تقف السعودية أمام مفترق طرق حقيقي.
النموذج الذي بُني على تركيز السلطة، وتسريع التحولات، وضخ استثمارات ضخمة في مشاريع طموحة، يواجه اليوم اختبارًا معقدًا في ظل تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية متزايدة.
القوة التي يمنحها احتكار القرار قد توفر سرعة في التنفيذ، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة عندما تغيب آليات المراجعة والتوازن.
والمشاريع التي تُبنى على الطموح وحده، دون حساب دقيق للواقع، قد تتحول من أدوات للنهوض إلى مصادر للضغط.
يبقى السؤال الأهم بعد تسع سنوات:
هل يمكن لهذا النموذج أن يستمر دون إصلاحات عميقة تعيد التوازن بين السلطة والمؤسسات، بين الطموح والواقعية، وبين الانفتاح والحقوق؟ أم أن ما جرى خلال العقد الماضي ليس سوى بداية لمسار سيواجه تحديات أكبر في السنوات القادمة






